اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ١٢ أيلول ٢٠٢٦
تأتي التصريحات الأخيرة التي أدلى بها رئيس جهاز المخابرات العامة الفلسطينية، ماجد فرج، التي طالب فيها حركة 'حماس' بالاعتذار للشعب الفلسطيني عما جرى في السابع من أكتوبر في معركة 'طوفان الأقصى'، في توقيت بالغ الحساسية والحرج، لتفتح الباب أمام نقاشات حادة حول بوصلة الخطاب الرسمي الفلسطيني والأولويات الوطنية في مرحلة هي الأكثر دموية ومصيرية في تاريخ القضية.
إن محاولة تصوير معركة 'طوفان الأقصى' أنها مجرد خطأ سياسي أو عسكري يتطلب اعتذارا، تتجاهل السياق الموضوعي والتاريخي الذي نشأت فيه هذه المعركة.
لم يكن السابع من أكتوبر حدثا معزولا في فراغ، بل جاء انفجارا طبيعيا وحتميا لما يقارب العقدين من الحصار الظالم المفروض على قطاع غزة، والاستيطان المستعر والتهويد الممنهج في الضفة الغربية والقدس، واعتداءات المستوطنين اليومية، وتصاعد وتيرة الانتهاكات بحق الأسرى في سجون الاحتلال، والأفق السياسي المسدود تماما أمام أي أي تسوية.
في الواقع، إن النقاش الوطني الواسع اليوم لا يدور حول مطالبة المقاومة بالاعتذار، بل يذهب باتجاه أن المطالبة الحقيقية بملاحقة ومحاكمة الاحتلال الإسرائيلي على جرائم الإبادة الجماعية والتدمير الممنهج، وللصمت الدولي المخزي. كما أن الجماهير الفلسطينية التي تقدم التضحيات الجسام في غزة والضفة والقدس والشتات، ترى في صمودها الأسطوري وملحمة المقاومة محطة تاريخية مفصلية كسرت هيبة الاحتلال وأعادته إلى مربع القلق الوجودي، وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي بعد أن كادت تطوى على أرفف النسيان.
إن الرهان على إعادة تدوير الخطاب السياسي القديم الذي أثبت عقمه في مواجهة حكومة يمينية متطرفة لا تتقن سوى لغة الاستيطان والقتل، يعد انفصالا تاما عن نبض الواقع المعاش في الميدان.
*فالتاريخ المعاصر لشعوب العالم التواقة للحرية لم يشهد ثورة استجابت لضغوط خصومها أو اعتذرت عن سعيها للخلاص*، بل إن الانتصارات تقاس بمدى قدرة وحكمة الحركات التحررية على حراسة بوصلتها وثوابتها مهما اشتدت العواصف وتعاظم حجم المؤامرات والتحديات المحيطة.
إن *محاولات القفز على الواقع وتجريم النضال الفلسطيني وتبرئة الجلاد، لا تخدم سوى الرواية الإسرائيلية* التي تسعى لتفريغ النضال الوطني من مضمونه التحرري.
إن الشعب الفلسطيني، وهو يواجه حرب إبادة غير مسبوقة، أثبت وعيا عميقا بأن الخلاص الحقيقي لا يكون بالتنصل من التضحيات أو تقديم صكوك الغفران للاحتلال، بل بالتمسك بالوحدة الوطنية الميدانية، وتصعيد المقاومة بكافة أشكالها حتى زوال الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.
تتجلى المفارقة الأكثر إيلاما في هذا السياق حين نرى الأبواق الرسمية تتناغم مع السردية الاحتلالية في محاكمة الضحية، متناسية أن الشعوب الحية لا تساوم على حقها الأصيل في انتزاع حريتها بالطرق كافة التي تكفلها المواثيق الدولية.
فالاعتذار الحقيقي المطلوب اليوم هو لكل شهيد سقط، ولكل طفل جرح، ولكل بيت دمر من جراء العجز والتواطؤ وصمت المنظومة الدولية، وليس للمقاومة التي سطرت بدمائها ودماء أبنائها أروع معاني الفداء والبطولة في وجه آلة القتل الإسرائيلية.
ألم يحن الوقت لأن يتوحد الخطاب الفلسطيني الرسمي مع نبض الشارع والتضحيات العظيمة التي يبذلها الشعب، بدلا من ترديد مقولات تخدم الاحتلال وتزيد من جراح شعبنا؟

























































