اخبار سوريا
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ١ حزيران ٢٠٢٦
بعد توسيعه صلاحيات 'محاكم الميدان' العسكرية سيّئة الصيت، استخدم رئيس سوريا الأسبق حافظ الأسد، هذه المحاكم لإعدام مدنيين في عام 1983، عقب إدانتهم بجرائم جنائية عوضاً عن محاكمتهم أمام القضاء المدني، بحسب ما تؤكّد وثائق حصلت عليها الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج، وهو ما يكشف أحد الوجوه المتوحّشة لـ'محاكم الميدان'.
أحمد حاج حمدو – مريم بيطار
صيف العام 1983، أمسك وزير الدفاع السوري مصطفى طلاس قلمه وأجرى توقيعاً روتينياً على إحدى الوثائق التي ترد إليه العشرات منها يومياً، وتابع مُكمّلاً عمله.
هذه الوثيقة التي وقّع عليها طلاس، الذي يُعرف بوزير حافظ الأسد المحبّب، وكانت مذيّلة بقرار من 'محكمة الميدان'، لم تكن سوى ورقة حكم بالإعدام شنقاً أمام العامّة في ساحة المرجة وسط العاصمة السورية دمشق، بحقّ مدنيَّين ارتكبا مخالفاتٍ جنائية قد تحدث في أيّ مكان في العالم.
بعد أكثر من أربعة عقود على هذه الحادثة، وسقوط نظام الأسد الابن الذي ورث الحكم عن أبيه، اطّلع فريق من الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج، وصحيفة 'زمان الوصل' على نسخة رقمية من تلك الوثيقة، والتي تبرز جانباً جديداً من الوجه الدموي لـ'محاكم الميدان' العسكرية التي بدأت في زمن صعود حزب 'البعث العربي الاشتراكي' إلى السلطة، وبقي سيفها مصلتاً على رقاب السوريين حتّى سقوط نظام الأسد.
حكم الإعدام ذاك ضدَّ مدنيين لمخالفة جنائية تتعلّق بسرقتهما موادّ تموينية وتصريفها، لكنّه كان صادراً عن محكمة الميدان العسكرية التي تشكّلت في غمار الحرب مع إسرائيل، بالتزامن مع صعود حزب 'البعث' إلى سدّة الحكم في سوريا بعد انقلاب آذار/ مارس العام 1963، لكن في وقت لاحق وسّع حافظ الأسد صلاحيات هذه المحكمة لتشمل مدنيين ارتكبوا جنايات مدنية.
وقد كانت محاكم بالاسم فقط، فهي لا تجري محاكمات بالمعنى الدقيق للكلمة ولا تمنح حقّ الدفاع أو أي ضمانات للمحاكمة العادلة، بل كانت أداة إجرامية فعالة في تصفية السوريين الذين تشكّك السلطة في ولائهم لحافظ الأسد، أيّ أنها وسيلة موازية للقضاء العادي للتخلّص من المعارضين السياسيين بغطاء قانوني مزعوم سريع الطابع، ويبثّ الإرهاب في نفوس السوريين، ويؤسّس لمملكة الخوف والرعب، كما يوضّح الباحث والمحامي في 'مركز الحوار السوري' نورس العبد الله.
يقول العبد الله: 'إن الهدف الرئيس لمحكمة الميدان في لحظة إنشائها كان مواجهة الجرائم الخطيرة زمن الحرب لفرض انضباط عسكري صارم. لكنّها كانت توضح كيفية التفكير العامّ للنظام البعثي في هذه المرحلة، والموجّه لتصفية الخصوم السياسيين قبل أيّ شيء آخر'.
لم يتوقّف استخدام هذه المحاكم منذ تأسيسها في عهد 'البعث'، بل امتدَّ استخدامها من قِبل نظام بشار الأسد على نحو واسع خلال الثورة السورية، حيث وثّقت 'الشبكة السورية لحقوق الإنسان' إعدام النظام 7872 شخصاً، بينهم 114 طفلاً و26 سيّدة، من أصل ما لا يقلّ عن 14843 حكماً بالإعدام سجلّت الشبكة صدورها عن محاكم الميدان العسكرية في الفترة بين آذار/ مارس 2011 وآب/ أغسطس 2023.
تندرج هذه المحاكم تحت ما يُسمّى 'القضاء الاستثنائي'، وتعتمد إجراءات تقاضٍ سريعة لا تتجاوز دقائق في بعض الأحيان، إضافة إلى السرّية، وهي لا تلتزم بأصول المحاكمات حتى العسكرية منها، ويغيب عنها حقّ الدفاع، كما أنّ أحكامها لا تقبل الطعن، أيّ أنها نهائية، كما أن قرارات لا تقوم على أساس البيّنات والأدلّة، بل على أساس التقارير الأمنية وضبوطها التي تُنتزَع تحت التعذيب.
مصطلحات بعثية وأحكام متوحّشة
على الرغم من أن الجرم الذي أُدين الشخصان حينها بارتكابه يحمل فعلاً جنائياً يرتبط بقوانين حماية المستهلك، أو قانون العقوبات، إلّا أن النظام أحالهما إلى محكمة الميدان التي لم تتوانَ عن إعدامهما شنقاً.
تفاصيل الوثيقة التي وقّع عليها مصطفى طلاس بالموافقة، بدأت بعبارة مكتوبة بخطّ اليد 'نفّذ'، وكانت مصنّفة ضمن 'سرّي للغاية' وصادرة عن قيادة الجيش، وتحديداً عن 'فرع الإدارة العسكرية – قسم الانضباط العسكري'، وحملت قرار محكمة الميدان رقم 59 بتاريخ 19 حزيران/ يونيو 1983.
تحمل الوثيقة الكثير من المصطلحات المرتبطة بحقبة 'البعث' في زمن الأسد الأب، مثل اعتبار الشخصين المدانين قد قاما بـ'ارتكاب أفعال جنائية مخالفة لتطبيق النظام الإشتراكي في الدولة'، كما أنّهما قاما بـ'سرقة وتصريف الموادّ التموينية للشعب العربي في سوريا'.
فصّلت الوثيقة بمنتهى الدقّة إجراءات تنفيذ حكم الإعدام؛ إذ يكلّف قائد المنطقة الجنوبية بالإشراف على التنفيذ واتّخاذ كافّة الترتيبات المترتّبة على تنفيذ الحكم، كما يكون رئيساً للجنة المكلّفة بالإشراف على التنفيذ، وحدّدت الوثيقة مكان تنفيذ الإعدام في ساحة المرجة وسط دمشق، في تمام الساعة الخامسة من فجر 18 تمّوز/ يوليو 1983.
ولضمان تنفيذ الحكم بدقّة، أمرت الوثيقة باتّخاذ تدابير أمنية، من بينها أن يوعز المشرف على التنفيذ بنصب مشنقة لكل من المحكوم عليهما بالإعدام في 'ساحة المرجة' الساعة الرابعة صباحاً، وتشكيل مفرزة شرطة عسكرية بمعرفة رئيس فرع الشرطة العسكرية لتنفيذ حكم الإعدام.
أمّا عن آليّة التنفيذ، فيُضاف صفّ ضابط واحد لمفرزة الشرطة العسكرية، وتكون مهمّته عصب عيني المحكوم عليهما بالإعدام قبل بدء التنفيذ، ويتمّ انتقاء العناصر المكلّفة بالحراسة من الشرطة العسكرية بمعرفة رئيس فرع الشرطة العسكرية.
وبحسب الوثيقة، يُنقل المحكوم عليهما إلى ساحة الإعدام وبالعكس، بمعرفة رئيس فرع الشرطة العسكرية.
ويحضر تنفيذ الحكم النائب العامّ لدى المحكمة الميدانية العسكرية، وأحد أعضاء المحكمة التي أصدرت الحكم، وهو كاتب ضبط المحكمة. ويُتلى قرار الحكم على المحكوم عليهما بصوت جهوري من قِبل المشرف على التنفيذ عند إحضارهما إلى ساحة الإعدام، ثم يُعصب على كل منهما ويبدأ التنفيذ.
بعد الإعدام، تنظّم اللجنة المكلّفة بالإشراف محضراً بالتنفيذ، يوقّع من قِبل الرئيس المشرف على التنفيذ والأعضاء المكلّفين بالإشراف على التنفيذ، وتُحفظ نسخة لدى النيابة العامّة العسكرية وتُرفق الوثيقة الثانية مع الإضبارة.
بعد التنفيذ، تقوم 'إدارة الخدمات الطبّية' في الجيش السوري بإجراءات دفن الجثمانين. وهي الجهة ذاتها التي تورّطت إبان الثورة السورية بدفن آلاف المعتقلين في المقابر الجماعية. في حين تتّخذ إدارة القضاء العسكري التدابير الخاصّة بإجراء المراسم الدينية للمحكوم عليهما قبل التنفيذ وبعده.
ويرفع المشرف على التنفيذ برقيّة فور تنفيذ حكم الإعدام إلى القيادة العامّة للجيش والقوّات المسلّحة – شعبة التنظيم والإدارة/ قسم الانضباط العسكري، ثم تتبع بتقرير خطّي قبل انقضاء ستّ ساعات على التنفيذ، مرفقاً بنسخة الضبط الموقّع من قبل الأعضاء المشرفين على التنفيذ ليرفق مع الإضبارة.
وأمرت الوثيقة أن يجرى تنفيذ حكم الإعدام بمنتهى السرّية، كما على مسؤولية السلطات المحلّية بهذا القرار.
في نهاية الوثيقة، يظهر توقيع شخص يُدعى جميل ونسخة مرسلة إلى محكمة الميدان/ قيادة القوى الجوّية، وإلى وزارتي الصحّة والداخلية، وإلى فرع الشرطة العسكرية للتنسيق مع وزارة الداخلية وإلى قائد المنطقة.
وتنتهي الوثيقة بتوقيع وزير الدفاع مصطفى طلاس، وختماً دائرياً يحمل اسم 'القيادة العامّة للجيش والقوّات المسلّحة – شعبة التنظيم والإدارة'.
محاكمة من سبع دقائق
كان المعتقل السابق سمير توركو من بين المدنيين القلائل الذين نجوا بعد أن مرّوا على محكمة الميدان، فور توسيع صلاحياتها من قِبل نظام الأسد الأب.
في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 1981، اعتُقل توركو، الذي ما يزال على قيد الحياة، من قِبل فرع أمن الدولة في العاصمة دمشق، لأن خاله كان منتمياً إلى 'حركة الإخوان المسلمين' في الأردن.
فور اعتقاله تمّ نقله لوقت قصير إلى الفرع الداخلي، ثم إلى فرع أمن الدولة للتحقيق معه. بعدها تنقّل بين عدد كبير من الفروع الأمنية في العاصمة دمشق وفي درعا. عقب ثلاث سنوات من الاعتقال والتحقيق، تمّ عرضه على محكمة الميدان كما يقول لمعدّي التحقيق، وتمّ إجراء محاكمة شكلية لا تشبه أيّ شيء من المحاكم.
يضيف توركو: 'كنّا 22 شخصاً مربوطين بجنزير واحد، وكانت المحاكمة شكلية، استمرّت لسبع دقائق فقط أمام القاضي سليمان الخطيب'.
قال له القاضي: 'هل أنت سمير توركو؟ فأجتبه: نعم أنا، فقال لي القاضي بعض الكلمات المزعجة في سياق التهم المجهّزة لي، مثل: أنت إخونجي وعميل لأميركا، فما كان منّي إلّا قلت له: أنا إنسان وطني وأحبّ وطني'. يبدو أن ردّ توركو قد أغضب القاضي الخطيب الذي أشار لعناصر الأمن لينهالوا عليه بالضرب المبرّح داخل قاعة المحكمة، حتى بدأ ينزف من وجهه.
بعد ذلك سأله القاضي الخطيب عن علاقته بخاله، وهو يطلق تهديدات بأنّه سوف يعتقل جميع أفراد عائلته، وختم تهديده بجملة: 'والله لأعدمك'.
اللافت أن المحكمة ليس فيها أيّ تفاصيل تشير إلى أنّها محكمة، فليس فيها حضور أو محامٍ ولا استجواب أو طرح أسئلة، حتّى إن القاضي لا يخبر المتّهم بقراره ولا يعرف الماثل أمام هذه المحكمة ما الحكم الذي صدر بحقّه، إلّا ما يتداوله المعتقلون بين بعضهم بعضاً. فالقاضي سليمان الخطيب كان يكسر القلم بعد الانتهاء من الحديث مع المتّهم، وهي إشارة إلى أنّه قرّر تنفيذ حكم الإعدام، في حين أن قاضياً آخر كان يشير بيده اليسرى لإخراج المتّهم، ما يعني أنّه قرّر إعدامه، أمّا إذا أشار بيده اليمنى فيعني أن المتّهم نجا من الإعدام، لكن ربما يكون حكمه مؤبّداً.
يتابع توركو: 'ما هو عالق بذاكرتي عن هذه الدقائق أمام محكمة الميدان هو أنّهم كانوا يريدون إعدام أكبر عدد ممكن من الناس، ويريدون التخلّص من كل من هو معارض، حيث كانوا يجبرون الناس ليس فقط على الاعتراف بما يُراد منهم أن يعترفوا به، بل يجب عليهم الاعتراف عن أفراد عائلتهم وأصدقائهم وكل معارفهم'.
بعد الحكم على توركو بالمؤبّد، حُوِّل إلى سجن تدمر الصحراوي ومنه إلى سجن صيدنايا، حيث أُفرج عنه في عام 2010، وقد كان شاهداً على استعصاء صيدنايا.
واجه توركو أنواعاً من العنف والتعذيب، كان أشدّها بعد وصوله إلى سجن تدمر العسكري حيث تعرّض لضرب على قدميه بالدولاب، ما أدّى إلى تعفّن إحدى قدميه وخروج الديدان منها، وكان الحلّ الذي اقترحه السجّانون لعلاجه هو أنهم سمحوا له بكيّها بالنار، وحتّى اليوم مازال يعاني من وضع صحّي سيّئ وفقدان لبطانة القدم جرّاء هذه الحادثة.




































































