اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
في بدر، وقفت قلّةٌ محدودة العُدّة أمام جيشٍ يفوقها عددًا وسلاحًا، فخلّد القرآن نصرها: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123]. وفي غزة، في يوم السابع من أكتوبر، واجه شعبٌ محاصر تفوقًا عسكريًا هائلًا، يحمل جراحه ويتشبث بأرضه وهويته وحقه في الحياة. وبين المشهدين تمتدّ أسئلة الإرادة والإعداد والقيادة، مع بقاء الفارق بين زمنين وظروفٍ ونتائج.
في بدر، اقترن الإيمان بالأخذ بالأسباب؛ وفي غزة، تجلّت معاني الإعداد في الأنفاق والتصنيع والتدريب، استحضارًا لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. واليوم يحتاج الصمود إلى قدرةٍ تحميه. فاليقين يوقظ العزيمة، والمعرفة ترشدها، والتنظيم يحفظ أثرها. وتتكامل القوة حين يجد الجريح طبيبه، والطفل مدرسته، والأسرة مأواها، والمجتمع مؤسساتٍ تصون موارده وحقوقه.
وفي بدر، حضرت الشورى وتقدير الموقف؛ وفي غزة، أظهرت مشاهد من برنامج «ما خفي أعظم» جوانب من التشاور. واليوم تتعاظم الحاجة إلى قيادةٍ تجمع الخبرات، وتسمع لأهل الميدان، وتراجع القرار وتقدّر كلفته. فالتضحيات العظيمة أمانةٌ تستدعي حكمةً تحرس ثمرتها، وشجاعةً تصحح الخطأ، وعدلًا يجمع القلوب.
وفي بدر، كان الدعاء مددًا للنفوس، ومنه دعاء النبي ﷺ: «اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض». وفي غزة، يتصاعد الدعاء (اللهم إن تهلك غزة سيعطل وعد الآخرة ويسود الشر والعنصرية ويبقى احتلال القدس والأقصى)، وبأن يربط الله على القلوب، ويحفظ أهلها، ويدفع عنهم الشر وأهله. واليوم يحمل المفجوع ألمه إلى الصلاة، ويستمد من الذكر سكينةً تعينه على المسير. وتبقى على القادرين مسؤولية الإسناد؛ فلا يُترك المنهك في غزة يعاني الخذلان.
وفي بدر، كان أسرى، وجاء العتاب القرآني: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67]. وفي غزة، أصبح ملف الأسرى والمحتجزين أحد أعقد أبعاد المواجهة. ويضيء القرآن جانب الرعاية الإنسانية بقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]. فتُصان الحياة، ويُوفَّر الغذاء والعلاج، فيما تتحمل غزة كلفةً إنسانيةً باهظة، وتحمل غزة بدمها ولحمها وعظمها وأطفالها ونسائها وبيوتها عبء تحرير الأسرى الفلسطينيين.
وحُسم لقاء بدر في ساعات، كما حسمت السابع من أكتوبر فرقة غزة وتهاوى الجيش الذي لا يقهر خلال ساعات، والفارق امتدت معاناة غزة؛ وهذا يضاعف واجب حماية المدنيين وإنهاء آلامهم.
ثم تبدأ أمانة البناء، ويحرسها النداء: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]. فوحدةٌ يصونها العدل تستطيع جمع الطاقات على التعافي.
بدر مدرسةٌ نستضيء بها، وغزة أمانةٌ تستنهضنا: أن نجعل الإيمان عملًا، والصمود قدرةً، والوفاء بيتًا يُبنى وحقًّا يُصان؛ حتى يخرج من بين الركام جيلٌ يحمل ذاكرته وعلمه وكرامته، ويفتح للحياة أفقًا يليق بتضحيات شعبه.

























































