اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
يشكل التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بين الأردن وصندوق النقد الدولي بشأن المراجعة السادسة لبرنامج تسهيل الصندوق الممدد والمراجعة الثالثة لبرنامج تسهيل المرونة والاستدامة محطة مهمة في مسار الإصلاح الاقتصادي الأردني. تكتسب هذه المراجعة أهميتها ليس فقط لما تتيحه من تمويل إضافي يبلغ نحو 294 مليون دولار، منها 133 مليون دولار ضمن برنامج تسهيل الصندوق الممدد و161 مليون دولار ضمن برنامج المرونة والاستدامة، وإنما لما تعكسه من استمرار التزام الأردن بتنفيذ الإصلاحات المتفق عليها رغم التحديات الإقليمية والضغوط الاقتصادية.
وتكمن أهمية المراجعة في أن صندوق النقد الدولي أكد استيفاء الأردن جميع معايير الأداء الكمية واستكمال معظم المؤشرات الهيكلية المستحقة. وهذا يعكس تقدماً في تنفيذ البرنامج، لكنه يطرح سؤالاً اقتصادياً أعمق: إلى أي مدى تحولت هذه الالتزامات والإجراءات إلى تحسن فعلي ومستدام في أداء الاقتصاد؟
على صعيد المالية العامة، تمكنت الحكومة من تحقيق مستهدف عجز الموازنة الأولي خلال عام 2026، رغم تراجع الإيرادات الضريبية بنحو 0.8% من الناتج المحلي الإجمالي خلال النصف الأول من العام نتيجة التطورات الإقليمية. وقد ساهم ضبط الإنفاق العام والتحسن في تحصيل الإيرادات خلال الربع الثالث في احتواء هذه الفجوة. وتكشف هذه التجربة أهمية الإدارة المالية في مواجهة الصدمات، لكنها تؤكد أيضاً ضرورة توسيع القاعدة الضريبية وتحسين كفاءة التحصيل، بدلاً من الاعتماد بصورة متزايدة على ضبط النفقات.
تستهدف موازنة عام 2027 عجزاً أولياً للحكومة المركزية يبلغ 0.9% من الناتج المحلي الإجمالي باستثناء المنح، بالتوازي مع العمل على خفض الدين العام إلى نحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2028. ورغم أهمية هذه المستهدفات لتعزيز الاستدامة المالية، فإن تحقيقها يتطلب إدارة متوازنة للإنفاق، بحيث لا يأتي ضبط المالية العامة على حساب الاستثمار الرأسمالي والمشاريع التنموية والإنفاق الاجتماعي المنتج.
أما المراجعة الثالثة لبرنامج تسهيل المرونة والاستدامة، فتكتسب أهمية خاصة لأنها تتعامل مع مواطن الضعف الهيكلية والمخاطر طويلة الأجل. وتشمل الإصلاحات المرتبطة بها إنشاء سجل مركزي لأصول البنية التحتية للشركات الحكومية في قطاعي الإنشاءات والطاقة، وتعزيز الجاهزية الصحية، وتحديد آليات تمويل الطوارئ الصحية. وتكتسب هذه الإجراءات أهمية اقتصادية لأنها تساعد على تحسين إدارة الأصول العامة وتقليل المخاطر والالتزامات المالية المستقبلية على الخزينة.
وتعكس المؤشرات الاقتصادية قدرة الأردن على المحافظة على الاستقرار الكلي في بيئة إقليمية مضطربة. فقد سجل الاقتصاد نمواً حقيقياً بنحو 3% خلال النصف الأول من عام 2026، فيما بلغت الاحتياطيات الأجنبية 27.5 مليار دولار، بما يغطي نحو 8.8 أشهر من المستوردات، واستقر معدل التضخم عند 2.26%. وتشير هذه المؤشرات إلى متانة الاستقرار النقدي والخارجي، في حين تتراوح توقعات النمو الاقتصادي للعام 2026 بين 2.8% و3%.
لكن المحافظة على الاستقرار لا تعني بالضرورة معالجة التحديات الإنتاجية. فمعدلات النمو الحالية تفرض ضرورة التركيز على مصادر النمو وقدرته على خلق فرص العمل ورفع الإنتاجية وزيادة القيمة المضافة المحلية. ومن هنا تبرز أهمية المشاريع الاستراتيجية، مثل مشروع تحلية ونقل المياه من العقبة إلى عمّان ومشاريع السكك الحديدية، باعتبارها استثمارات يمكن أن تعزز الترابط الإنتاجي وتخفض كلف النقل وتفتح مجالات جديدة للاستثمار.
إن المراجعة السادسة ليست مجرد محطة تمويلية جديدة، بل فرصة لتقييم مسار الإصلاح الاقتصادي الأردني. فقد تحقق تقدم في ضبط المؤشرات الكلية واستيفاء معايير الأداء، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب تعميق الإصلاحات الهيكلية، وتحسين بيئة المنافسة، وتعزيز الاستثمار الخاص، ورفع كفاءة المؤسسات العامة. فالنجاح الحقيقي للبرنامج لا يقاس فقط باستكمال المراجعات والحصول على التمويل، وإنما بقدرته على تحويل الاستقرار المالي والنقدي إلى نمو اقتصادي أكثر إنتاجية، وفرص عمل مستدامة، وتحسن ملموس في مستويات المعيشة.
الرأي

























































