اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦
من غير الممكن ان يُقرأ خطاب العرش اليوم بشكل تقليدي، فقد كان مختلفاً بشكل جوهري، خاصة في الطريقة التي رتّبت بها أولويات الدولة ورسائلها، بدأ من الكرك، من الإرهاب، ومن الشهداء، قبل أن ينتقل إلى السياسة والاقتصاد والتنمية. وهذه ليست مجرد استجابة لحادثة أمنية، بل رسالة دولة تقول إن الحفاظ على الاستقرار لم يعد مسألة أمنية فقط، وإنما أصبح شرطاً اقتصادياً سابقاً لأي حديث عن النمو والاستثمار والتنمية.
أكد خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني، اليوم، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، أن الأردن نجح طوال السنوات الماضية في بناء واحدة من أهم ميزاته التنافسية في المنطقة، وهي الاستقرار، فبينما كانت دول عديدة حوله تعيش حروباً أو اضطرابات أو انقسامات داخلية، حافظ الأردن على قدرته على إدارة الأزمات وتجنب الانهيارات التي أصابت محيطه، ما يؤشر إلى أن الدولة تنظر اليوم إلى هذه الميزة باعتبارها أصلاً اقتصادياً لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية أو البنية التحتية.
فالمستثمر لا يأتي فقط بسبب الحوافز الضريبية، والسائح لا يختار وجهته بناءً على الأسعار فقط، والمؤسسات الدولية لا تمول المشاريع اعتماداً على الدراسات الفنية وحدها، في النهاية، الجميع يبحث عن بيئة مستقرة يمكن التنبؤ بها، ومن هنا يمكن فهم سبب الربط الضمني في الخطاب بين مواجهة الإرهاب وحماية مستقبل الاقتصاد الوطني.
ومن زاوية أخرى، حمل الخطاب رسالة مهمة للأسواق. فعندما يؤكد الملك أن هيبة الدولة وسيادة القانون فوق الجميع، وأنه لا حصانة لأحد في إساءة استخدام السلطة أو النفوذ، فهو لا يخاطب الرأي العام فقط، بل يبعث برسالة مباشرة إلى المستثمرين المحليين والأجانب مفادها أن الأردن يريد ترسيخ بيئة أعمال تحكمها المؤسسات لا العلاقات، والقانون لا النفوذ.
وهذه الرسالة بالذات ربما تكون من أكثر الرسائل الاقتصادية أهمية في الخطاب، فالتحدي الأكبر الذي تواجهه الاقتصادات الناشئة لا يتمثل دائماً في نقص الفرص، بل في الثقة بقدرة المؤسسات على فرض العدالة والمنافسة المتكافئة، فكلما ازدادت الثقة بسيادة القانون، تراجعت كلفة الاستثمار وارتفعت جاذبية الاقتصاد.
.وفي الملف الإقليمي، بدا واضحاً أن الملك لا ينظر إلى القضية الفلسطينية من منظور سياسي أو إنساني فقط، بل من منظور استراتيجي يرتبط مباشرة بمستقبل المنطقة الاقتصادي، فاستمرار الحرب والتوسع الإسرائيلي والاضطرابات الإقليمية لا يهدد الأمن وحده، وإنما يهدد أيضاً مسارات التجارة والاستثمار والطاقة ومشاريع الربط الإقليمي التي يعوّل عليها الأردن لتحقيق جزء من نموه المستقبلي.
أما على الصعيد الداخلي، فقد منح الخطاب ملف المياه مساحة لافتة. وهذا ليس تفصيلاً فنياً، بل اعتراف بأن معركة الأردن الاقتصادية القادمة قد تكون معركة موارد أكثر من كونها معركة موازنات، فالدول تستطيع الاقتراض والاستثمار وجذب التمويل، لكنها لا تستطيع تصنيع المياه، ولذلك فإن الأمن المائي الذي تحدث عنه الملك يمثل في حقيقته أحد أهم ملفات الأمن الاقتصادي الوطني خلال العقود المقبلة.
اللافت أيضاً أن الخطاب لم يقع في فخ الوعود الاقتصادية الكبيرة أو الأرقام الطموحة، بل ركّز على فكرة أكثر واقعية وتتمثل في أن نجاح الخطط والمشاريع يقاس بأثرها على حياة الناس، وهذه إشارة إلى انتقال الاهتمام من مجرد الإعلان عن الإنجازات إلى قياس نتائجها الفعلية على التشغيل والدخل ومستوى الخدمات.
في المحصلة، يمكن القول ان الأردنيين اعتادوا النظر إلى الاستقرار باعتباره حقيقة ثابتة، لكن خطاب العرش جاء ليذكر بأن الاستقرار ليس معطى دائماً، بل إنجاز وطني يتطلب الحماية والاستثمار، وفي الوقت الذي يتزايد فيه وزن المخاطر والاضطرابات، قد يبقى الاستقرار الأردني هو الثروة الأكثر ندرة والأعلى قيمة في الاقتصاد الوطني.

























































