اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢٣ نيسان ٢٠٢٦
ومع الوصول إلى المرحلة الثانوية، يقول الكاتب إن وعيه السياسي بدأ بالتبلور تدريجيًا، إلا أنه ظل متمسكًا بما يصفه بـ'العقيدة الصهيونية الليبرالية'، والتي تقوم على الاعتقاد بإمكانية أن يكون 'جنديًا أخلاقيًا وصالحًا' قادرًا على إحداث تغيير من داخل المنظومة العسكرية.
غير أن هذه القناعة بدأت بالتفكك تدريجيا بعد تجنيده في سلاح المدرعات، حيث أدرك سريعًا استحالة هذا التصور، لينتهي به المطاف إلى الحصول على إعفاء طبي بعد عدة أشهر من الخدمة.
ويضيف أنه رغم مغادرته الجيش، فإن آثار التجربة استمرت لسنوات، إذ راودته كوابيس متكررة تتعلق بإعادة تجنيده. ويروي أحد هذه الأحلام التي رآها في سن العشرين أثناء إقامته في برلين، حيث رأى من نافذته فصله الدراسي في المرحلة الابتدائية ومعلمته يقفون في الأسفل، وهم يصرخون بأن إعفاءه قد أُلغي، وأن عليه العودة فورًا إلى الجيش بسبب اندلاع حرب جديدة.
يشير الكاتب إلى أن المجتمع الإسرائيلي المعاصر يتسم بما يسميه 'العسكرة المفرطة'، وهي ليست مجرد منظومة فكرية أو سياسية، بل حالة وجودية تعيد تشكيل الفرد من الأساس، وتعيد صياغة المخيلة والأفكار والرغبات والعلاقات الاجتماعية، وحتى تصور الجماعة لنفسها.
وبحسب النص، فإن كل شيء تقريبًا داخل هذا السياق يُدرك من خلال لغة وصور ومفاهيم عسكرية، حيث تصبح حالة الطوارئ والحرب الدائمة هي الوضع الطبيعي والمستمر.
ويمتد هذا التصور، وفقًا للكاتب، عبر مختلف شرائح المجتمع الإسرائيلي؛ من النزعة العسكرية الدينية التي يتبناها 'فتية التلال' والمستوطنون المتدينون، إلى النزعة العسكرية الليبرالية العلمانية داخل الطبقة البرجوازية. وفي جميع مراحل الحياة، يُعاد إنتاج الفرد بوصفه جنديًا محتملاً، سواء كان قبل التجنيد أو في الخدمة أو ضمن قوات الاحتياط أو حتى بعد انتهاء الخدمة.
لتغلغل العميق للعسكرة
ويشير النص إلى أن أحد أبعاد هذه الظاهرة يتمثل في التغلغل العميق للعسكرة داخل الحياة اليومية، وهو ما يسميه 'ظاهرة الحياة اليومية المعسكرة'. ويُضاف إلى ذلك ما يصفه الكاتب بتسليع العسكرة داخل المجتمع الرأسمالي الإسرائيلي.
وفي هذا السياق، تُطرح أمثلة على تسويق فكرة الخدمة العسكرية بشكل مباشر، مثل الدورات التدريبية التي تُعد الشباب لاختبارات وحدات الاستخبارات والسيبراني، أو تدريبات اللياقة الخاصة بالوحدات النخبوية.
كما يشير النص إلى حملات دعائية تستهدف المراهقين، من بينها إعلان على الشواطئ جاء فيه: 'إذا سألوا، فأنا في البحر مع الأصدقاء… هل تعتقد أنك تمتلك ميزة البحر؟ تعال وأثبت نفسك في أحد برامج سلاح البحرية'.
واستعرض الكاتب إعلانًا حديثًا لشركة 'إسرائيلية' لمنتجات جنسية ؛ فبمناسبة يوم المرأة العالمي، نشرت الشركة سلسلة من الصور التي تصور مجندات (من بينهن طيارة مقاتلة ومجندة بالزي العسكري ترتدي عصبة الرأس الحمراء الشهيرة لشخصية “روزي الميكانيكية”)، وكل واحدة منهن تمسك بعبوة من المزلق، مصحوبة بتعليق: “يا عزيزتي، أنتِ بطلة خارقة”.
ويرصد كذلك أن آلاف الحسابات الشخصية (غالبيتها لرجال) على تطبيقات المواعدة التي تبرز صورًا بالزي العسكري، وتكون أحيانًا على خلفية الدمار في غزة. وفي أحد هذه الحسابات التي صادفتها مؤخرًا، يظهر قناص في قوات الاحتياط وهو يصوب بندقيته من نافذة منزل مدمر في غزة أو لبنان.
ويستعرض النص أمثلة إضافية على حضور العسكرة في المنتجات الغذائية والرمزية،اذا كان بإمكان المتسوقين في المتاجر الإسرائيلية العثور على “ماتزوس البطولة” و”ماتزوس الأسود الصاعدة” (في إشارة إلى الاسم الذي أطلقته إسرائيل على حربها مع إيران في يونيو/ حزيران)، وهي مغلفة بصور لجنود وقاذفات قنابل من طراز “بي-2” وطائرات “إف-15” وهي في “طريقها لقصف إيران”.
وفي أحد مقاهي تل أبيب، يجد المرء نوعًا من حلوى بروفيتيرول تحمل اسم جندي قتل، وهو اتجاه واسع الانتشار مؤخرًا في إسرائيل يتمثل في تسمية الأطعمة والمشروبات بأسماء القتلى “تكريمًا” لذكراهم.
ويخلص النص إلى أن تفكيك هذه الأيديولوجيا، وخاصة الأسطورة القائلة بأن العسكرة الصهيونية توفر الأمن، هو شرط أساسي لفتح الطريق أمام مستقبل مختلف، أكثر عدالة، لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين.

























































