اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٦ أب ٢٠٢٦
خاص / شهاب
لا يندرج اقتحام جيش الاحتلال الإسرائيلي لمخيم قلنديا وبلدة كفر عقب، شمال القدس المحتلة، ضمن نمط الاقتحامات اليومية التي تشهدها مدن وبلدات الضفة الغربية، إذ حملت طبيعة الانتشار العسكري، وحجم القوات المشاركة، والإجراءات التي رافقت العملية، إلى جانب توقيتها السياسي، مؤشرات دفعت الفلسطينيين إلى قراءتها باعتبارها حلقة جديدة في اقتحام 'إسرائيلي' يتجاوز الاعتبارات الأمنية المباشرة نحو محاولة فرض واقع ميداني مختلف في مناطق حساسة من الضفة الغربية ومحيط القدس.
مع ساعات الفجر الأولى، تحولت المنطقة الممتدة بين مخيم قلنديا وبلدة كفر عقب إلى منطقة عسكرية مغلقة. أغلقت القوات الإسرائيلية المداخل، وانتشرت الآليات العسكرية والجرافات في الشوارع، وتمركز القناصة فوق عدد من المباني المرتفعة، فيما فُرضت قيود مشددة على حركة السكان، ما أدى إلى تعطيل الحياة اليومية داخل المخيم والبلدة لساعات طويلة.
مخاوف فلسطينية
ولم تقتصر العملية على عمليات تفتيش أو اعتقالات محدودة، إذ رافقها انتشار واسع للقوات، ومداهمات لعدد من المنازل والمنشآت، واقتحام مؤسسات أهلية، إضافة إلى أعمال تجريف وهدم في محيط شارع المطار، في مشهد أعاد إلى الأذهان طبيعة العمليات العسكرية التي نفذها الاحتلال خلال العامين الماضيين في مخيمات شمال الضفة الغربية، ولا سيما جنين وطولكرم ونور شمس.
وجاء الاقتحام في ظل تصريحات لوزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس، أعلن فيها أن الجيش سيواصل تنفيذ عمليات واسعة داخل مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية وفق ما وصفه بـ'نموذج جنين وطولكرم ونور شمس'، وهي تصريحات أثارت مخاوف فلسطينية من انتقال هذا النمط من العمليات إلى مناطق أخرى، خصوصًا تلك الواقعة ضمن محيط القدس المحتلة.
ويرى الفلسطينيون أن اختيار قلنديا تحديدًا يحمل دلالات تتجاوز موقع المخيم كهدف أمني، بالنظر إلى موقعه الجغرافي الحساس، وارتباطه المباشر بمدينة القدس، وحضوره داخل المشهد السياسي والجغرافي للمدينة.
وتوضح الباحثة في شؤون القدس رسمية حمدان أن أهمية مخيم قلنديا لا تنفصل عن موقعه الاستراتيجي عند المدخل الشمالي للقدس، حيث يقع على الطريق الواصل بين المدينة ومحافظة رام الله والبيرة، ويشكل إحدى أهم نقاط العبور التي تربط القدس بامتدادها الفلسطيني.
وتشير حمدان إلى أن المنطقة الممتدة بين قلنديا وكفر عقب تحولت خلال العقود الماضية إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية في محيط القدس، ليس فقط بسبب كثافتها السكانية، وإنما بسبب موقعها ضمن المساحة التي تحاول 'إسرائيل' إعادة تنظيمها بما يخدم فصل القدس عن محيطها الفلسطيني.
وتضيف أن كفر عقب تمثل حالة خاصة في واقع القدس الحالي، إذ إن سكانها يحمل كثير منهم الهوية المقدسية بعد ضم 'إسرائيل' للمدينة عقب احتلال عام 1967، لكن وجودها خلف جدار الفصل خلق واقعًا معقدًا، حيث يعيش السكان خارج نطاق الخدمات البلدية الكاملة، وفي منطقة تخضع بدرجة كبيرة للإدارة الأمنية الإسرائيلية.
وتلفت الباحثة إلى أن السيطرة على هذه المنطقة تمنح الاحتلال قدرة أكبر على التحكم في واحدة من أهم بوابات القدس الشمالية، فهي لا تتعلق فقط بمخيم للاجئين، بل بمنطقة تتداخل فيها الجغرافيا والسكان وحركة المرور اليومية بين القدس والضفة الغربية.
فحاجز قلنديا العسكري، المقام على مقربة من المخيم، يعد من أكثر نقاط العبور ازدحامًا في الضفة الغربية، وتعبر من خلاله يوميًا أعداد كبيرة من الفلسطينيين المتوجهين إلى القدس أو الخارجين منها، الأمر الذي يجعل المنطقة ذات قيمة أمنية وجغرافية كبيرة بالنسبة للمؤسسة الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، لا تبدو العملية العسكرية الأخيرة منفصلة عن التحولات التي شهدها محيط القدس خلال السنوات الماضية، حيث تزايدت مشاريع التوسع الاستيطاني، وتطوير شبكة الطرق التي تربط المستوطنات بالمدينة، بالتزامن مع تشديد القيود على حركة الفلسطينيين عبر الحواجز والمداخل الرئيسية.
خارطة القدس
ويشير خليل التفكجي، مدير دائرة الخرائط في جمعية الدراسات العربية وخبير شؤون القدس، إلى أن قراءة ما يجري في قلنديا يجب أن تتم ضمن إطار أوسع يتعلق بإعادة تشكيل المجال الجغرافي للقدس، وليس باعتباره إجراءً أمنيًا منفصلًا.
ويؤكد التفكجي أن المنطقة الواقعة شمال القدس تمثل جزءًا أساسيًا من الصراع على حدود المدينة ومستقبلها، موضحًا أن السيطرة على المداخل والطرق والمناطق المحيطة بالقدس ترتبط بمحاولات إسرائيلية مستمرة لإعادة رسم العلاقة بين المدينة وامتدادها الفلسطيني.
ويضيف أن مخيم قلنديا اكتسب أهمية خاصة بسبب موقعه بين القدس ورام الله، وبسبب وجوده في منطقة تشكل نقطة التقاء بين الكثافة السكانية الفلسطينية، وشبكة الطرق والمستوطنات التي تعمل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على تعزيزها حول المدينة.
لم تتوقف العملية العسكرية عند حدود الانتشار وإغلاق المداخل، بل انتقلت خلال ساعاتها الأولى إلى مرحلة أكثر اتساعًا، تمثلت في مداهمة المنازل والمنشآت وانتشر الجنود في أحياء عدة، ونفذوا عمليات تفتيش واسعة، وأخضعوا عددًا من السكان لتحقيقات ميدانية، فيما اعتُقل عدد من المواطنين، بينهم أقارب لأسرى وشهداء، وفق مصادر فلسطينية.
ووفق المعطيات المحلية، ترافقت أعمال التجريف مع فتح ممرات في أجزاء من جدار الفصل، الأمر الذي سمح بدخول مزيد من الآليات العسكرية وتعزيز الانتشار داخل المنطقة، في وقت بقيت فيه الحركة مقيدة، وتحولت شوارع المخيم إلى مساحة خاضعة للسيطرة العسكرية المباشرة.
ويشير خليل التفكجي إلى أن التعامل مع مناطق مثل قلنديا لا يمكن فصله عن موقعها ضمن خارطة القدس، موضحًا أن أي إجراءات ميدانية طويلة الأمد في هذه المنطقة تحمل تأثيرات تتجاوز حدود المخيم، لأنها ترتبط بحركة السكان وبالتحولات الجغرافية التي تشهدها المدينة.
ويضيف أن القدس لا تُدار فقط عبر الحدود المعلنة، وإنما من خلال شبكة من الإجراءات التي تشمل الطرق والحواجز والتوسع الاستيطاني والتحكم بالحركة، وهو ما يجعل المناطق الواقعة شمال المدينة ذات أهمية كبيرة في أي تصور إسرائيلي لمستقبل القدس.
ويرى التفكجي أن المخيمات الفلسطينية في محيط القدس تحمل خصوصية مختلفة عن غيرها، فهي ليست مجرد تجمعات سكانية، بل مراكز اجتماعية ووطنية تشكلت عبر عقود، وتحولت إلى جزء أساسي من المشهد الفلسطيني في المدينة ومحيطها.
ومن هذا المنطلق، فإن استهداف مخيم قلنديا يثير تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة، خصوصًا في ظل انتقال العمليات العسكرية الإسرائيلية خلال الفترة الأخيرة من الاقتحامات السريعة إلى حملات أوسع تستخدم فيها قوة عسكرية أكبر وتستهدف البنية المحيطة بالمكان، وليس فقط أفرادًا بعينهم.
طويلة الأمد
وتوضح رسمية حمدان أن حساسية قلنديا تنبع من كونها تقع في منطقة تتقاطع فيها عدة عوامل؛ فهي من جهة بوابة شمالية للقدس، ومن جهة أخرى منطقة ذات كثافة سكانية فلسطينية كبيرة، إضافة إلى وجودها على تماس مباشر مع الجدار والحاجز العسكري وشبكة الطرق المؤدية إلى المدينة.
وتلفت إلى أن أي تغيير في واقع المنطقة لا ينعكس على سكان المخيم والبلدة فقط، بل يؤثر على العلاقة بين القدس ومحيطها الفلسطيني، مشيرة إلى أن السياسات الإسرائيلية تجاه المنطقة خلال السنوات الماضية اتجهت إلى تعزيز الفصل بين المدينة والامتداد الفلسطيني المحيط بها.
وفي هذا السياق، لا ينظر الفلسطينيون إلى العملية الأخيرة باعتبارها حدثًا أمنيًا منفصلًا، بل يربطونها بمسار أوسع تشهده الضفة الغربية والقدس، يتمثل في تصاعد الاقتحامات، وتوسيع السيطرة العسكرية، وتغيير طبيعة العلاقة بين التجمعات الفلسطينية والمناطق المحيطة بها.
ولا يزال من المبكر تحديد ما إذا كان اقتحام قلنديا يمثل عملية عسكرية محددة الأهداف وتنتهي بانسحاب القوات بعد تحقيق أهدافها، أم أنه مقدمة لمرحلة جديدة من التعامل مع مخيمات القدس، إلا أن طبيعة العملية والسياق السياسي الذي جاءت فيه جعلاها محط اهتمام فلسطيني واسع.
فما جرى في قلنديا وضع المنطقة أمام احتمالين: إما أن تبقى العملية ضمن إطار أمني مؤقت، أو أن تتحول إلى نموذج متكرر يعيد رسم العلاقة بين الاحتلال والمناطق الفلسطينية المحيطة بالقدس.
وفي الحالتين، فإن المخيم الذي نشأ قبل عقود كمكان لجوء مؤقت، يجد نفسه اليوم في قلب صراع أكبر يتعلق بمستقبل المدينة، وحدودها، وموقع الفلسطينيين فيها.
لا تبدو أهمية اقتحام مخيم قلنديا مرتبطة فقط بما جرى خلال ساعات العملية، بل بما قد تعنيه هذه الخطوة في سياق التحولات التي تشهدها الضفة الغربية والقدس منذ فترة. فخلال الأشهر الماضية، اتجهت العمليات العسكرية الإسرائيلية في عدد من مخيمات شمال الضفة إلى نمط يعتمد على استخدام أعداد كبيرة من القوات، وفرض طوق عسكري، وإجراء عمليات واسعة داخل الأحياء السكنية، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى أضرار كبيرة في البنية التحتية ونزوح أعداد من السكان.
نموذجًا للتحديات
ويرى خليل التفكجي أن نقل هذا النمط إلى مناطق قريبة من القدس يحمل دلالات مختلفة، لأن المدينة تمثل مركز الصراع السياسي والجغرافي، وأي تغيير في محيطها لا يمكن فصله عن محاولات إعادة تعريف حدودها وعلاقتها بالسكان الفلسطينيين.
ويشير إلى أن السيطرة على المداخل الشمالية للقدس تمثل جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بالتحكم في حركة الفلسطينيين، وربط التجمعات الاستيطانية بعضها ببعض، وتقليص التواصل الجغرافي بين القدس ومحيطها الفلسطيني.
ويضيف التفكجي أن الصراع حول القدس لا يجري فقط عبر البناء الاستيطاني أو القرارات السياسية، بل أيضًا من خلال التحكم بالتفاصيل اليومية لحياة السكان، مثل الحركة، والوصول إلى الخدمات، وتنظيم المجال العمراني، وهي عوامل تؤثر تدريجيًا في شكل المدينة ومستقبلها.
ومن جهتها، ترى الباحثة حمدان أن مخيم قلنديا يمثل نموذجًا للتحديات التي تواجهها المناطق الفلسطينية المحيطة بالقدس، حيث تتداخل قضايا السكان والهوية والجغرافيا مع الإجراءات الإسرائيلية المتواصلة.
وتوضح أن المخيم، رغم أنه يقع خارج مركز المدينة، يرتبط بالقدس ارتباطًا مباشرًا، سواء من خلال موقعه أو من خلال سكانه الذين يشكلون جزءًا من النسيج الاجتماعي للمدينة، مشيرة إلى أن أي إجراءات تستهدف المنطقة تنعكس على علاقة القدس بمحيطها الفلسطيني.
وفي ظل استمرار التوسع الاستيطاني وتطوير شبكات الطرق التي تربط المستوطنات بالقدس، يرى فلسطينيون أن العمليات العسكرية في المناطق المحيطة بالمدينة لا يمكن فصلها عن واقع أوسع يشهد إعادة ترتيب للجغرافيا على الأرض.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل اقتحام عسكري يحمل مشروعًا سياسيًا مكتمل الأهداف، لكن تزامن العمليات الميدانية مع السياسات المتعلقة بالاستيطان والحركة والحدود يجعلها جزءًا من مشهد أكثر تعقيدًا من مجرد إجراءات أمنية مؤقتة.
أما على المستوى الميداني، فإن السؤال الأساسي الذي يفرض نفسه بعد اقتحام قلنديا يتعلق بطبيعة المرحلة المقبلة: هل ستبقى العملية حدثًا منفصلًا ضمن سلسلة الاقتحامات التي تشهدها الضفة الغربية، أم أنها تمثل بداية لنمط جديد يستهدف مخيمات القدس بشكل أكثر كثافة؟
وبينما يبقى مستقبل العملية مفتوحًا، فإن اقتحام قلنديا أعاد تسليط الضوء على منطقة لطالما شكلت نقطة تماس بين القدس والضفة الغربية، وأظهر أن المعركة حول المدينة لا تجري فقط داخل حدودها، بل أيضًا في المناطق المحيطة بها، حيث تتقاطع الجغرافيا بالسكان والسياسة.
ومن هنا، فإن ما حدث في قلنديا لا يُقرأ فقط باعتباره اقتحامًا عسكريًا لمخيم فلسطيني، بل باعتباره اختبارًا جديدًا لطبيعة المرحلة المقبلة في القدس والضفة الغربية، ومدى استمرار انتقال العمليات الإسرائيلية من أدوات أمنية مؤقتة إلى وسائل تأثير طويلة الأمد في الواقع الفلسطيني على الأرض.

























































