اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
في الخليج قد يبدأ الخطر من قرار عسكري خارج حدوده، لكن نهايته قد تتحدد في غرفة عمليات داخلها، ولهذا تبدو الدعوة إلى تقليص الوجود الأمريكي جذابة للبعض، ومقلقة لآخرين، فما الذي يحدث إذا تبدلت المظلة العسكرية قبل أن تتوافر وسيلة تحمي المطارات والموانئ ومحطات الطاقة، ومن يتحمل المسؤولية عندما تتعثر الوعود الدبلوماسية، فيما تنتظر شركات الطيران والتأمين إجابة لا تقدمها البيانات السياسية؟
في السابع والعشرين من أكتوبر، عرض الباحث الروسي نيكولاي سوركوف تصورًا يفصل بين التوتر الإيراني الخليجي والصراع الأمريكي الإسرائيلي مع طهران، وهو اجتهاد منشور في الجزيرة وليس خطة رسمية مفصلة أقرها الكرملين، ينطلق من إمكان التوصل إلى تفاهم لعدم الاعتداء، حتى إن بقيت الملفات الكبرى معلقة، وتلك فرصة تستحق الدراسة بشرط معرفة حدودها .
تستطيع موسكو الحديث مع طهران بحكم الشراكة الاستراتيجية، ومع الرياض عبر التنسيق النفطي في أوبك بلس، ومع أبوظبي بحكم المصالح التجارية، غير أن تعدد قنوات الاتصال يضعها أمام حساب صعب، الضغط على إيران قد يعرض شراكتها للخطر، والتساهل معها قد يفقد الوساطة صدقيتها لدى الخليج، وقد أوضح سوركوف أن روسيا لا تنوي فرض الاتفاق بالقوة، وهي حدود جوهرية لأي ضمان .
ويناقش التصور الروسي انسحاب القوات الأمريكية وإغلاق قواعدها، لكن هذا الانتقال لا يقاس بعدد الجنود المغادرين، فشبكات الإنذار والرادارات وتبادل المعلومات وقطع الغيار والصيانة مرتبطة بشراكات طويلة، وإذا أُزيل جزء منها قبل تأهيل البديل، قد تنشأ فجوة في الاكتشاف والاعتراض والقيادة، ولا يوجد في طرح الباحث برنامج روسي معلن يحل محل تلك القدرات، ولهذا يجب الفصل بين دور الوسيط ودور الضامن العسكري .
كذلك لا تخلو القواعد الأمريكية من المخاطر، فقد تصبح أهدافًا حين تتواجه واشنطن وطهران، وهنا لا تقتضي السيادة إغلاقها تلقائيًا أو الإبقاء عليها إلى الأبد، بل وضع قواعد تفاوضية واضحة لاستخدام الأجواء والمنشآت، وإجراءات تشاور مسبق، وخطط دفاع محلية قابلة للعمل عندما يختلف الحلفاء حول التصعيد .
في الثامن عشر من أكتوبر، طالب مجلس التعاون بإشراك أعضائه في أي تفاهم يمس أمنهم، ومعالجة الصواريخ والمسيّرات والبرنامج النووي ودعم الجماعات المسلحة، وبعد ثمانية أيام التقى مسؤولون من إيران والسعودية وتركيا وباكستان في طهران واتفقوا على استمرار المحادثات، ما تحقق هو فتح قنوات إضافية، أما التزام عدم الاعتداء فلم يعلن بوصفه اتفاقًا مكتملًا .
اقتصاديًا لا تنتهي الأزمة عند حدود المنشآت، فقد مر عبر هرمز عام ٢٠٢٥ نحو عشرين مليون برميل من النفط ومشتقاته يوميًا، قرابة ربع التجارة النفطية البحرية العالمية، وكانت أربعة أخماس تلك التدفقات متجهة إلى آسيا، وفق وكالة الطاقة الدولية، كذلك تمر عبر المضيق صادرات غاز مسال من قطر والإمارات تعادل نحو خمس التجارة العالمية، فحماية المدن مع بقاء الممر البحري مهددًا تمنح أمنًا ناقصًا .
وقد تنجح هدنة محدودة إذا ضُبطت الهجمات، ووجد تحقيق مستقل في الحوادث، وقد تنهار عند ضربة تنكرها الأطراف أو تنفذها جماعة لا تلتزم بالتفاهم، أما المسار الأمتن فيحتاج تنسيقًا خليجيًا للإنذار وحماية الملاحة، وآلية للتحقق، مع الاحتفاظ بالردع والحوار معًا، وتحديد المسؤول عن إصدار الإنذار وتبادل الأدلة وتمويل الاستجابة قبل أن تتحول حادثة صغيرة إلى مواجهة واسعة، ومن الخطأ افتراض أن الدول الست متطابقة في درجة اعتمادها على المضيق أو في علاقاتها الأمنية .
وأدخل سوركوف ملف أوكرانيا في تقديره لحسابات واشنطن وموسكو، لكن لا دليل في مقاله على صفقة رسمية تقايض أمن الخليج بالحرب الأوروبية، الأهم من التكهن بصفقات خفية هو إدراك أن الوسيط قد تتغير أولوياته، وأن الاتفاق المحترم يحتاج مؤسسات تنفيذ تتجاوز حسن نوايا العواصم .
إذا تعثر التفاهم، فلن تكفي بيانات الاستنكار، يجب أن تكون لدى دول الخليج القدرة على كشف الهجوم وتحديد المسؤول عنه وحماية مرافقها، وأن تملك سلطة تقرير شروط استخدام أراضيها وأجوائها، فالسيادة ليست مقعدًا على طاولة المفاوضات، إنها قرار يمكن تنفيذه حتى عندما يعترض عليه الحليف أو الوسيط .

























































