اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
قد تدفعك صورة طفل ينتظر العلاج إلى التبرع فوراً، وقد يجعلك نداء استغاثة لأسرة أنهكتها الظروف تفتح محفظتك الإلكترونية دون تردد. تفعل ذلك لأنك تؤمن بأن الخير لا ينتظر، وأن مبلغاً بسيطاً منك قد يصنع فرقاً كبيراً في حياة إنسان. لكن ماذا لو وصلت أموالك إلى جهة لا تعرف حقيقتها؟ وماذا لو استُخدمت معاناتك الإنسانية وسيلةً لجمع الأموال دون الالتزام بالقانون؟ هنا يصبح السؤال ضرورياً: كيف نضمن أن يصل الخير إلى مستحقيه، وألا تتحول مشاعر الرحمة إلى فرصة لاستغلال أموال المتبرعين؟
لقد غيّرت المنصات الرقمية طريقة ممارسة العمل الخيري؛ فأصبح بالإمكان نشر نداء استغاثة والوصول إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق، وجمع المساهمات من مناطق مختلفة دون لقاء مباشر بين المتبرع والقائم على الجمع. وهذه السرعة على أهميتها في إيصال المساعدة، تفرض مسؤولية أكبر؛ لأن سهولة نشر النداء لا تعني بالضرورة صحة مضمونه، كما أن انتشار الحملة لا يثبت مشروعية الجهة التي تديرها.
وفي إطار قراءتنا التحليلية لقانون الجرائم الإلكترونية الأردني رقم (17) لسنة 2023، تبرز المادة (23) بوصفها ضمانة قانونية لتنظيم جمع التبرعات والصدقات عبر الفضاء الرقمي، ومواجهة إساءة استخدام المنصات الإلكترونية في هذا المجال. فقد تناول المشرّع الأفعال المرتبطة بإنشاء المواقع الإلكترونية أو إدارتها أو الإشراف عليها، ونشر المعلومات عبر الشبكة المعلوماتية أو وسائل التواصل الاجتماعي، وإدارة المحافظ الإلكترونية، متى استُخدمت هذه الوسائل للدعوة إلى جمع التبرعات أو الصدقات أو الترويج لها دون الحصول على الترخيص المطلوب من الجهات المعنية، أو بالمخالفة لشروطه أو بتجاوز حدوده.
وتكمن أهمية النص في أنه لا يترك تنظيم جمع التبرعات خارج نطاق الحماية القانونية لمجرد أن النشاط يُقدَّم تحت عنوان إنساني أو يُمارس عبر الإنترنت. فالمشروعية لا تُستمد من جمال الغاية وحده، بل من الالتزام بالضوابط القانونية المنظمة للنشاط. وفي المقابل، لا يعني ذلك أن كل منشور يدعو إلى مساعدة محتاج يشكّل جريمة؛ إذ يتعين النظر إلى طبيعة الفعل، والترخيص المطلوب، ومدى الالتزام به، وتوافر الشروط التي حددها القانون.
تخيّل حملة تنشر قصة مؤثرة، وتضع رقم محفظة لاستقبال التبرعات، ثم تطلب من كل متبرع إعادة نشر الإعلان ليصل إلى أكبر عدد ممكن. تتزايد التحويلات، ويطمئن الناس إلى الحملة لأن أصدقاءهم شاركوا فيها، وربما لأنهم شاهدوا تعليقات تشكر القائمين عليها. لكن هل تحقق أحد من هوية الجهة التي تجمع الأموال؟ وهل تأكد المتبرعون من حصولها على الترخيص اللازم؟ وهل تكفي شهادة شخص أو انتشار المنشور لإثبات سلامة النشاط؟ إن أكثر ما قد يضلل المتبرع هو أن يخلط بين صدق رغبته في فعل الخير، وثبوت مشروعية الجهة التي تطلب المال. بل إن إعادة نشر الحملة دون تحقق قد تسهم في توسيع انتشارها، وتدفع آخرين إلى التبرع اعتماداً على ثقتهم بمن شاركها.
ولهذا لا تدع عاطفتك تسبق وعيك، ولا تجعل رغبتك في مساعدة المحتاج مدخلاً لاستغلال أموالك، وقبل أن تحوّل أي مبلغ، تحقّق من هوية الجهة التي تطلب التبرع، واسأل عن ترخيصها لدى الجهات المختصة، وتأكد من أن وسيلة الدفع تعود إليها فعلاً، وأن جمع الأموال يتم وفق الأطر القانونية المعتمدة. فلا تنخدع بكثرة المتابعين، أو الصور المؤثرة، أو التعليقات التي تشيد بالحملة؛ فهذه المظاهر لا تثبت وحدها مصداقية الحملة، واحذر النداءات التي تستعجلك للتحويل أو تضغط عليك لإعادة نشرها قبل التحقق منها؛ فقد تكون مشاركتك سبباً في اتساع دائرة التضليل ووصوله إلى متبرعين آخرين. وإذا لم تطمئن لمشروعية الحملة، فلا تكتفِ بالامتناع عن التبرع، بل احتفظ بما يتوافر لديك من إعلانات ومراسلات وإيصالات تحويل، وبادر إلى إبلاغ الجهات المختصة.
ولقد قرر المشرع لهذه الأفعال في المادة (23) عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على سنة، وغرامة لا تقل عن (3000) ثلاثة آلاف دينار ولا تزيد على (5000) خمسة آلاف دينار. وهذه العقوبة تؤكد أن تنظيم جمع التبرعات ليس إجراء شكلي، بل ضمانة لحماية أموال المتبرعين وصون الثقة بالعمل الخيري، حتى لا تتضرر المبادرات المشروعة بسبب ممارسات مخالفة.
إن العمل الخيري يستحق الحماية، والمحتاج يستحق وصول المساعدة إليه، والمتبرع يستحق أن يطمئن إلى وجهة ماله. وتتحقق هذه الغايات حين تجتمع الرحمة مع الوعي، والمبادرة مع التحقق، والثقة مع الالتزام بالقانون. فالتبرع الحقيقي لا يُقاس بسرعة تحويل المال، بل بسلامة وصوله إلى الغاية التي جُمع من أجلها.
تصدّق بقلب رحيم، وتحقّق بعقل واعٍ؛ فليس المهم أن يصل مالك سريعاً إلى من يطلبه، بل أن يصل عبر الطريق المشروع إلى من يستحقه.

























































