اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١٨ أيلول ٢٠٢٦
لا تبدو إعادة ترتيب القيادة العسكرية والأمنية في إيران مجرد محاولة لسد الفراغ الذي خلّفته الحرب ومقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، بل تكشف انتقالا واضحًا في مركز الثقل داخل النظام نحو الحرس الثوري والأجهزة الأمنية الصلبة. ففي 10 آب 2026، ثبّت المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي أحمد وحيدي قائدًا عامًا للحرس الثوري، وعيّن حسين طائب قائدًا لقوات الباسيج، في خطوة كرّست عمليًا موقع الرجلين داخل البنية الجديدة للسلطة، وأعادت الأمن والعسكر إلى قلب القرار الإيراني.
يحمل اختيار وحيدي دلالة خاصة، نظرًا إلى سجله الطويل داخل المنظومة العسكرية، بعدما تولّى سابقًا قيادة قوة القدس ووزارة الدفاع ومناصب أمنية وعسكرية عليا. أما عودة طائب فتكتسب أهمية أمنية أكبر، بعدما ترأس منظمة استخبارات الحرس الثوري بين 2009 و2022، ثم عمل مستشارًا لقائد الحرس. وبذلك تجمع التشكيلة الجديدة بين قيادة عسكرية مباشرة وخبرة استخباراتية عميقة، في وقت تعيد فيه طهران بناء منظومتها الأمنية.
ولا يقتصر سجل طائب على الداخل الإيراني. ففي تموز 2021 زار بغداد بصفته رئيس منظمة استخبارات الحرس الثوري، والتقى مسؤولين عراقيين وقيادات في الحشد الشعبي وفصائل مسلحة مرتبطة بإيران، وتركزت مباحثاته على الوجود العسكري الأميركي والهجمات على المصالح الأميركية. وتكشف تلك الزيارة عن طبيعة الدور الذي اضطلع به طائب في الملفات الإقليمية الحساسة، وعن اتصاله المباشر بشبكة القوى المسلحة المرتبطة بطهران.
وبحسب مصادر دبلوماسية غربية، يشهد مركز القرار الإيراني تباينًا حادًّا حول إدارة المرحلة الحالية. فالتيار الأكثر تشددًا يدفع نحو مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، وتوسيع الضغط على المصالح والحلفاء الأميركيين في المنطقة، بما في ذلك إبقاء خيارات التصعيد في الخليج مفتوحة، بالتوازي مع تعزيز القدرات العسكرية وأدوات النفوذ الإقليمي. في المقابل، يرى تيار آخر أن التفاوض والمرونة يمكن استخدامهما لاحتواء الضغط ومنع تحوّل المواجهة إلى حرب أوسع. والخلاف لا يتعلق بالتكتيك وحده، بل بمستقبل وظيفة المؤسسات الأمنية والعسكرية وحدود استخدامها في رسم السياسة الخارجية.
في بيروت، تصبح هذه التحولات أكثر حساسية، لأن الحرس الثوري يشكل العمود الإيراني الأساسي في إدارة البنية العسكرية لـحزب الله. وكشفت المصادر أن الحرس أرسل نحو مئة ضابط إلى لبنان بعد وقف إطلاق النار عام 2024، لإعادة تدريب مقاتلي الحزب، والإشراف على إعادة التسلح، وإعادة تنظيم بنيته العسكرية ضمن وحدات أكثر لامركزية. كما أفادت المصادر بأن الحزب أعاد بناء جزء من قدراته بدعم إيراني خلال الأشهر اللاحقة.
وتقول مصادر دبلوماسية غربية إن حسين طائب كان حاضرًا في النقاشات الإيرانية المرتبطة بإعادة بناء حزب الله، وإن الدائرة الأمنية في طهران تمسكت بالحفاظ على البنية العسكرية لـالحزب ورفض التخلي عن سلاحه. وبحسب هذه المصادر، فإن طهران لا تتعامل مع سلاح الحزب باعتباره ملفًا لبنانيًا داخليًا، بل كجزء من منظومة الردع والنفوذ الإيرانية في المنطقة.
لكن التشدد الإيراني ينعكس أيضًا على قيادة الحزب نفسها. فبعد مقتل حسن نصرالله، يواجه نعيم قاسم معادلة شديدة التعقيد بين الحفاظ على الارتباط الاستراتيجي بطهران والتعامل مع الضغوط اللبنانية والدولية لحصر قرار الحرب والسلم بالدولة. وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن طائب لا يرى في قاسم الشخصية التي تمثل رأس الحربة داخل الحزب بالفاعلية نفسها التي كان يمثلها نصرالله، ما يعكس، بحسب هذه المصادر، تباينًا في النظرة الإيرانية إلى طبيعة القيادة المطلوبة في المرحلة المقبلة.
وعليه، فإن إعادة ترتيب القيادة في طهران ليست شأنًا إيرانيًا داخليًا فحسب، بل تحمل تداعيات مباشرة على حزب الله. فصعود وحيدي وطائب يضع المنظومة الأمنية والعسكرية في موقع أكثر تقدمًا داخل القرار الإيراني، فيما يبقى الحزب إحدى أهم ساحات ترجمة هذا القرار. والسؤال الذي يفرض نفسه في بيروت لم يعد فقط حول مستقبل سلاح الحزب، بل حول من يحدد وظيفته وسقفه، وأين تنتهي حسابات طهران وتبدأ مسؤولية الدولة اللبنانية. وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد اختبارًا واضحًا لمدى قدرة القيادة الجديدة في طهران على فرض أولوياتها الإقليمية، ولقدرة قيادة الحزب على إدارة التوازن بين القرار الإيراني والواقع اللبناني، وسط ضغوط متصاعدة ومتغيرات أمنية وسياسية متسارعة.











































































