اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١٢ أيلول ٢٠٢٦
قبل نحو شهر، صعدتُ إلى حيث كان الأباتي بولس نعمان.
لم أصعد إليه طالبًا موقفًا، ولا سائلًا عن معلومة، ولا باحثًا عن صورةٍ أضيفها إلى أرشيف الذكريات. صعدتُ إليه لسببٍ أبسط، وربما أعمق: أردتُ أن أرى، ولو لساعة، لبنان الذي طالما حدّثني عنه أبي.
كنت أريد أن أرى ذلك الزمن في وجه رجلٍ عاشه.جلستُ أمام الأباتي بولس نعمان.
وفي تلك اللحظة، لم يكن الجالس أمامي مجرّد راهبٍ ومؤرخٍ ورئيسٍ سابقٍ للرهبانية اللبنانية المارونية؛ كان شاهدًا حيًّا على لبنانٍ كامل، لبنان الذي لم يعرفه جيلي إلا من حكايات الآباء، ومن صورٍ قديمة، ومن أسماءٍ كانت تتكرر في مجالس الكبار من دون أن ندرك دائمًا لماذا كانت تلك الأسماء ثقيلةً إلى هذا الحد.
لم يكن اللقاء طويلًا بما يكفي لاستعادة زمنٍ كامل.لكنه كان طويلًا بما يكفي لأفهم أن بعض الرجال لا يعودون، من فرط ما عاشوا، أفرادًا منفصلين عن الزمن؛ يصبحون جزءًا من ذاكرة المكان الذي عاشوا فيه..
وبعد نحو شهر، رحل الأباتي بولس نعمان.
فجأةً، اكتسب ذلك اللقاء معنى آخر.
لم أعد قد جلست أمام رجلٍ يتحدث عن الماضي؛ كنت قد جلست أمام الماضي نفسه، قبل أن يغلق عينيه ويرحل.
⸻
كان بولس نعمان من أولئك الذين لم يتعاملوا مع التاريخ بوصفه مقبرةً للأحداث.
كان يعرف أن التاريخ ليس ما انتهى، بل ما يبقى أثره في الإنسان بعد أن تنتهي الحوادث. وكان يعرف أن أخطر ما يمكن أن يصيب وطنًا ليس أن يفقد بعض وثائقه، بل أن يفقد الرجال الذين يستطيعون أن يقولوا: لقد كنا هناك.
ولهذا لم تكن الكتابة عنده ترفًا ثقافيًا، ولا التأريخ تمرينًا على استعادة السنوات. كان يدرك أن الأمة التي تفقد قدرتها على تذكّر نفسها تصبح عرضةً لأن يعاد تعريفها من خارج ذاكرتها.
وكان هو نفسه واحدًا من تلك الذاكرة.
رجلًا عاش لبنان في أكثر مراحله قسوةً وتعقيدًا، من دون أن يسمح للزمن بأن يحصره في وظيفةٍ واحدة أو في صورةٍ واحدة.
كان راهبًا، وكان مؤرخًا، وكان حاضرًا في الشأن العام؛ لا لأن السياسة كانت غايةً لديه، بل لأن الإنسان كان غايةً تستدعي المسؤولية.
ولذلك لم يرَ في الحياة الروحية بابًا يُغلق وراء الإنسان على العالم، ولم يرَ في التاريخ انفصالًا عن الحاضر، ولم يرَ في الثقافة ترفًا لا مكان له حين تضطرب الأوطان.
كان يعرف أن الثقافة، حين يصبح الجهل خطرًا عامًا، تصبح دفاعًا عن الإنسان؛ وأن التاريخ، حين تصبح الذاكرة موضع صراع، يصبح مسؤولية؛ وأن الإيمان، حين يواجه الإنسان محنته، لا يستطيع أن يكتفي بمراقبته من بعيد.
لكن بولس نعمان لم يكن بداية الحكاية.
فثمة جيلٌ سبقه كان قد بدأ، في قلب العاصفة، ببناء شيءٍ أبعد من ردّ الفعل الآني على الحرب.
في عهد الأباتي بطرس قزي، نشأت في الكسليك لجنة البحوث، بمشاركة نخبة من الرهبان والعلمانيين، وكانت مساحةً فكريةً تبحث في مستقبل لبنان، وتلتقي دوريًا مع الجبهة اللبنانية، لا لتبحث فقط في كيفية عبور اللحظة، بل في السؤال الأصعب: أي لبنان ينبغي أن يخرج من هذه المحنة؟
وهذا التفصيل مهم.
لأن الحرب كثيرًا ما تدفع المجتمعات إلى التفكير في كيفية النجاة من يومها، بينما كان هناك من يحاول التفكير في اليوم الذي يليها.
لم يكن السؤال: كيف يُربح الصراع فحسب؟
كان السؤال: ماذا يُبنى بعد الصراع؟
وفي مكتب الأباتي بطرس قزي تأسست جبهة الحرية والإنسان؛ وهو اسمٌ يحمل في ذاته شيئًا من فلسفة تلك المرحلة: الحرية ليست شعارًا بلا إنسان، والإنسان لا يُصان إذا صودرت حريته.
غير أنّ و بعد رئاسته، لم يتوقّف الأباتي قزّي من العمل إلى جانب الشّباب المسيحي حتّى أنّه دعم و أشرف تأسيس المرشدية الرّوحية في القوات اللّبنانية لتهذيب روح المقاتلين و إرشادهم كي لا يقعوا في بؤرة الحرب الهمجيّة.
و كان شعارها : البارودي اللّي ما في وراها مؤمن، في وراها مجرم
كانت تلك المحاولات، في جوهرها، محاولةً لإنتاج رؤيةٍ للبنان وسط الانهيار؛ رؤية لا تكتفي بردّ الخطر، بل تحاول أن تفهم البلاد التي ستبقى بعد أن ينقشع غبار الحرب.
ثم جاء عهد الأباتي شربل قسيس.
وفي عام ١٩٧٦، انعقدت خلوة دير سيدة البير، بعد اجتماعاتٍ فكرية مطوّلة جمعت بين الجبهة اللبنانية ولجنة البحوث في الكسليك، التي ضمّت رهبانًا وعلمانيين من النخبة الفكرية.
وكانت أهمية تلك الخلوة تتجاوز ظرفها السياسي المباشر.
ففي قلب حربٍ كان يمكن أن تدفع اللبنانيين إلى الاحتماء بالهويات الأولية، برز اتجاهٌ فكري يصرّ على شيء أكثر صعوبة: أن يكون الدفاع عن الحرية دفاعًا عن الإنسان، لا امتيازًا لجماعة؛ وأن يكون الحفاظ على الوجود المسيحي جزءًا من الحفاظ على لبنان التعددي، لا مشروعًا لبناء وطنٍ أحادي الهوية.
هناك ترسخت، في النقاشات التي أحاطت بتلك المرحلة، فكرة التعددية ورفض الأحادية، ورفض اختزال لبنان في مفهوم «الوطن المسيحي» بالمعنى الذي اتّهمت به الجبهة من قِبل الآخرين.
كان المنطق أكثر رحابةً من ذلك بكثير:
أن يعيش الإنسان حرًا كريمًا في وطنه، مهما كانت طائفته أو ديانته، من دون أن تكون حريته مبررًا لسلب حرية إنسانٍ آخر.
وهذه ليست فكرةً سياسيةً عابرة.
إنها، في عمقها، فلسفة لبنان.
فلبنان لا يكون قويًا لأنه يغلب أحد مكوّناته، بل لأنه يستطيع أن يحفظ تعدد مكوّناته من دون أن يحوّل التعدد إلى حربٍ دائمة.
وفي عهد شربل قسيس أيضًا، بقيت قضية بقاء المسيحيين في لبنان حاضرةً بقوة، ومن أشهر الوقائع المرتبطة بتلك المرحلة لقاؤه بالمبعوث الأميركي دين براون في الكسليك، في وقت كانت فيه أفكار الهجرة مطروحةً على خلفية الحرب.
وتختلف الروايات في بعض تفاصيل ذلك اللقاء، لكن صورته التي بقيت في الذاكرة تعبّر عن موقفٍ بالغ الدلالة: رفض أن تتحول الحرب إلى قدرٍ يُكتب للمسيحيين بمغادرة لبنان.
لم تكن المسألة أن يبقى المسيحي لأنه مسيحي وحسب.
كانت أعمق من ذلك.
أن يبقى الإنسان في أرضه لأن له فيها حقًا، وأن لا يصبح اقتلاعه من وطنه حلًا مقبولًا لمجرد أن العالم عجز عن منع الحرب.
كان رفض الهجرة، بهذا المعنى، رفضًا لتحويل لبنان إلى أرضٍ تُفرغ من أهلها كلما اشتدت عليها العاصفة.
ولذلك لم تكن التعددية عند هؤلاء مجرد صيغةٍ دستورية، ولا بندًا في تسوية سياسية.
كانت إيمانًا بأن كرامة الإنسان لا تُجزّأ، وأن الحرية التي تُطلب لجماعة لا يجوز أن تُسلب من جماعة أخرى، وأن الدفاع عن الوجود لا يكتمل إذا كان ثمنه إلغاء وجود الآخرين.
ثم جاء دور الأباتي بولس نعمان.
وفي عهده، لم يتوقف ذلك المجهود على الإنسان والوطن عند حدود الموقف السياسي أو النقاش الفكري، بل امتد إلى الذاكرة نفسها.
فمن أبرز ما ارتبط باسمه تأسيس معهد التاريخ والآثار في جامعة الروح القدس – الكسليك، في مسارٍ جعل من دراسة التاريخ والآثار وسيلةً لحماية الذاكرة اللبنانية من الضياع.
وهنا تكتمل الدائرة.
رجالٌ واجهوا سؤال الحاضر، ثم رجالٌ حاولوا أن يصوغوا سؤال المستقبل، ثم رجالٌ أدركوا أن المستقبل نفسه لا يمكن أن يُبنى إذا لم يعرف الإنسان من أين أتى.
كانت تلك، كلّها، حلقاتٍ في ديناميةٍ فكرية واجتماعية واسعة تشكّلت حول الكسليك، وأسهم فيها رهبان وعلمانيون ومثقفون، في وقتٍ كان المجتمع المسيحي فيه يجد نفسه مضطرًا إلى التسلح دفاعًا عن وجوده وأمنه، بينما كان في الوقت نفسه يحتاج إلى ما هو أبعد من السلاح: إلى فكرةٍ تحدد لماذا يدافع، وإلى رؤيةٍ تحدد أي لبنان يريد أن يحمي.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق أن تُستعاد.
ففي أكثر مراحل الخوف، كان هناك من يفكر.
وفي أكثر مراحل العنف، كان هناك من يكتب.
وفي اللحظة التي كان فيها السلاح يفرض منطقه، كان هناك من يحاول أن يضع للغد منطقًا آخر.
ولعلّ أكثر ما بقي من تلك المرحلة في ذاكرة الأباتي نعمان هو وجع حرب الإخوة.
فليست كل الحروب متساوية في معناها.
هناك حربٌ يراها الإنسان مواجهةً مع خطرٍ يأتيه من الخارج، وهناك حربٌ أشد مرارة حين ينتقل الصراع إلى داخل البيت، فيصبح الذي يقف في الجهة المقابلة ابنَ الأمس، ورفيقَ الأمس، وشريكَ الذاكرة نفسها.
عندها لا يعود الخراب في الشوارع وحدها.
يدخل إلى الضمير.
وحرب الإلغاء، بما حملته من مواجهةٍ داخل الصف الواحد، بقيت جرحًا عميقًا في وجدان من عاشوا تلك المرحلة، ومنهم الأباتي بولس نعمان. لم يكن يرتاح، بل كان دائم الكدّ والتعب والجهد كي يوقف هذه المواجهة المجنونة، حتى يُروى انه في ال٢٤ ساعة لم يكن ينام او يرتاح بل حيث يكون على الجبهة يذهب الى اقرب دير ليصلي ويأكل شيء من الطعام ويعود لاستكمال لقاءاته بحزم واندفاع وقرار واضح...
ولم يكن الجرح في نتيجتها العسكرية وحدها، بل في السؤال الذي تركته وراءها:
كيف يمكن لأبناء قضيةٍ واحدة أن يبلغوا اللحظة التي يصبح فيها إسقاط أحدهم انتصارًا للآخر؟
ذلك سؤال لم يهرم.
لأن بعض الحروب تنتهي عندما تصمت البنادق، وبعضها لا ينتهي إلا عندما يتوقف صداه داخل النفوس.
لهذا كله، يصبح رحيل الأباتي بولس نعمان أكبر من خبر وفاة.
إنه رحيل من كتب التّاريخ، إلى صفحاته.
كان هناك حين كان لبنان مختلفًا.
كان هناك حين كانت الأسئلة أكبر من الإجابات، وحين كانت الثقافة جزءًا من المعركة على معنى الوطن، وحين لم يكن التفكير في المستقبل ترفًا مؤجلًا إلى ما بعد الحرب.
ولذلك، فإن الوفاء لهم لا يكون بتحويلهم إلى قديسين في السياسة، ولا بإعادة إنتاج خلافاتهم، ولا بتبرئة الماضي من أخطائه.
الوفاء الحقيقي أن تُحفظ ذاكرتهم كاملة.
بما فيها من نورٍ وظلال.
من صوابٍ وخطأ.
من شجاعةٍ وضعف.
ومن أحلامٍ لم يُكتب لها أن تكتمل.
فالتاريخ الذي لا يُقرأ إلا بعين المنتصر يتحول إلى دعاية، والذي لا يُقرأ إلا بعين المهزوم يتحول إلى مرثية؛ أما التاريخ الذي يستحق أن يبقى، فهو الذي يملك شجاعة النظر إلى الإنسان كاملًا.
قبل شهر، جلستُ أمام الأباتي بولس نعمان لأنني أردت أن أرى لبنان الذي حدّثني عنه أبي.
لم أكن أعرف أنني سأجلس أمام رجلٍ سيصبح، بعد أسابيع قليلة، من الماضي الذي كنت أبحث عنه.
واليوم، بعد رحيله، يبدو ذلك اللقاء كأنه لم يكن مجرد زيارة.
كان قفزةً بين جيلين، جيل التاريخ وجيل المستقبل في موعد الحاضر...
جيلٍ عاش لبنان حين كان الوطن يُسأل عن مصيره كل يوم، وجيلٍ جاء بعد ذلك كله ويحاول أن يفهم ماذا بقي من الإجابات.
لقد رحل الأباتي.و بقي السؤال:
أين يذهب لبنان حين يرحَل الذّين كانوا يعرفونه ؟











































































