اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢٢ أيلول ٢٠٢٦
ليست كل الأخبار في لبنان سلبية، ولا الحياة هنا محكومة فقط بالأزمات والانقسامات والتراجع. في مقابل المشهد الصعب، يختبر البلد من جديد مبادرات وأعمال جبارة تُنجز بصمت داخل بعض مؤسسات الدولة، وتبدأ نتائجها الإيجابية بالظهور تباعًا، بما يساهم في إعادة بناء الإدارة العامة واستعادة ثقة المواطن.
ومن أبرز هذه النماذج اليوم مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية، وهي مؤسسة عامة مستقلة إداريًا وماليًا تحت وصاية وزارة الزراعة، دخلت خلال الأشهر الأخيرة في مرحلة جديدة من التطوير والتنظيم، تمتد من إعادة ترتيب العمل الإداري والوظيفي إلى مواكبة التطور العلمي والمخبري وفق معايير متقدمة.
ومنذ أن تسلّم رئيس مجلس الإدارة والمدير العام للمصلحة الدكتور جاد شعيا مهامه في كانون الثاني 2026، أطلق ورشة كبيرة ونهضة فعلية كان القطاع الزراعي والمؤسسة بحاجة إليها منذ سنوات. وخلال أشهر قليلة فقط، بدأت النتائج الإيجابية تظهر بوضوح، سواء في انتظام العمل، أو تسريع المعاملات، أو رفع كفاءة المختبرات، أو زيادة الإنتاجية والإيرادات.
وتأتي هذه الحركة أيضًا في ظل اهتمام ودعم مباشر من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي يولي المؤسسة أهمية كبيرة نظرًا إلى دورها في سلامة الغذاء والأمن الزراعي، ويدعم المسار الجديد الهادف إلى إعادة المصلحة إلى موقعها الطبيعي كمؤسسة علمية أساسية في الدولة اللبنانية.
وتشكّل مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية اليوم كنزًا علميًا لبنانيًا بما تمتلكه من خبرات وكفاءات بشرية وبنية مخبرية متخصصة. وقد عادت إلى ممارسة مهامها بانتظام أكبر، مستفيدة من إعادة تنظيم العمل الداخلي ووضع آليات أكثر دقة ووضوحًا.
وتضم المصلحة 12 مختبرًا موزعة على مختلف الأراضي اللبنانية، فيما اتخذت أخيرًا قراراً بافتتاح ثلاثة مختبرات حدودية جديدة في مطار بيروت ومرفأ بيروت ومنطقة المصنع، بهدف تسريع العمل المرتبط بتصدير واستيراد البضائع من وإلى لبنان، وتقليص الوقت الذي كان يُهدر في نقل العينات وانتظار نتائج الفحوص.
ويعمل في المصلحة أكثر من 30 دكتورًا وباحثًا ضمن اختصاصات علمية متعددة، إضافة إلى الطواقم الفنية المتخصصة. وتقوم هذه المختبرات بتحليل مختلف أنواع المياه، وفحص المواد الغذائية، وإجراء الدراسات والفحوص الزراعية، إلى جانب مختبرات الصحة الحيوانية التي تتابع الحيوانات المستوردة وتفحصها عند الحدود البرية والبحرية.
وتكتسب المصلحة أهمية مضاعفة بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، خصوصًا مع تعزيز موقع مختبراتها كمركز أساسي للأبحاث والفحوص الرسمية. وهذا الدور لا يرتبط فقط بالزراعة، بل يمتد مباشرة إلى صحة المواطن وسلامة الغذاء ونوعية المنتجات الموجودة في السوق اللبنانية، إضافة إلى دور الفحوص المخبرية في تسهيل التصدير وفتح الأسواق أمام الإنتاج اللبناني.
ومن الملفات المهمة التي تعمل عليها المصلحة أيضًا الأبحاث المتعلقة بزراعة القنب الهندي، حيث تُجرى الدراسات والفحوص العلمية المرتبطة بهذا القطاع، في وقت يُنتظر أن يتوسع العمل أكثر مع استحداث مختبر كبير ومتخصص بالقنب الهندي بدعم من جهة دولية.
وتمتلك المؤسسة الظروف اللوجستية والبشرية المطلوبة لإنشاء مختبر بهذا الحجم، من حيث المساحات المتوافرة، والبنية اللازمة، والكفاءات والطاقات العلمية الموجودة بين موظفيها، إضافة إلى دعم الدولة اللبنانية لهذا الملف وتوجهها إلى تطويره ضمن الأطر القانونية والعلمية.
وعلى الصعيد الإداري، تظهر التغييرات بوضوح من خلال الإجراءات الجديدة والتنظيم الدقيق لآلية العمل. فقد وضعت الإدارة خطة متكاملة لتحسين الأداء ومكافحة الهدر والفساد، من بينها تسريع إصدار نتائج الفحوص، وتطوير طريقة إيصال العينات ونقلها، وتخفيف الإجراءات التي كانت تتسبب سابقًا بهدر الوقت والمال.
والهدف يتجاوز مجرّد تحسين الأداء اليومي، ليصل إلى إعادة بناء الثقة بمؤسسات الدولة، وتعزيز ثقة الجهات العربية والدولية بالمختبرات اللبنانية ونتائجها، وهي مسألة أساسية بالنسبة إلى الاقتصاد الزراعي والغذائي وقدرة لبنان على التصدير.
أما أحد أبرز المؤشرات على حجم التغيير، فهو الارتفاع الكبير في إيرادات المصلحة. فقد بلغت الإيرادات حتى 21 أيلول 2026 نحو 133 مليار ليرة لبنانية، مقارنة بنحو 40 مليار ليرة ضمن الفترة الزمنية نفسها سابقًا، أي أنها ارتفعت إلى أكثر من ثلاثة أضعاف خلال أشهر قليلة.
ولا يمكن فصل هذا الرقم عن إعادة تنظيم العمل ورفع الإنتاجية وتفعيل المختبرات وتسريع المعاملات. فهو يعكس عمليًا أن إصلاح الإدارة العامة لا يحتاج دائمًا إلى سنوات كي تظهر نتائجه، بل يمكن أن تبدأ المؤشرات الإيجابية بالظهور سريعًا عندما تتوافر الإدارة الفاعلة، والكفاءة، والمتابعة، والقرار.
وما يحصل في مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية يقدم مثالا على أن النهوض بالمؤسسات الرسمية لا يزال ممكنًا، وأن داخل الدولة اللبنانية طاقات علمية وبشرية قادرة على تحقيق نتائج ملموسة إذا توافرت لها الإدارة والتنظيم والدعم.











































































