اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦
ثمة أشخاص قدّر الله عز وجل لهم أن يتقلدوا مناصب مهمة في الدولة، صنعوا خلالها أحداثاً عظيمة تناثرت تفاصيلها في رحاب الزمن، ونظر لها كثيرون من زوايا عديدة.
من هؤلاء الأشخاص من دوّنوا، بعد مغادرة مناصبهم، سواء كانت المغادرة إقالة أو استقالة، أحداثهم بطريقة تبرز إيجابياتهم وتخفي سلبياتهم قدر الإمكان، إلا القليل منهم من اتبع الموضوعية في مذكراتهم، واعترفوا بما أخطؤوا وندموا على ما كان منهم، وكتبوا ما صنعوه، سواء لعبوا فيه دور البطولة المطلقة أو بالاشتراك مع آخرين، فكانوا «شهوداً على العصر».
شاهد على العصر هو برنامج بدأ مع بداية قناة الجزيرة، لصاحبه الإعلامي أحمد منصور، المميز برتبة «محقق»، يستضيف ضيفاً من العيار الثقيل جداً، يحمل معلومات من العيار الثقيل الخطير أيضاً، ليستنطقه ويذكره بما كتبه، وربما يكون قد نسيه، فتقدح ذاكرته ويذكّره بما كان منه من أحداث، وكأنها «بنت إمبارح»، مستشهداً بما كتبه الضيف، وما جمعه من معلومات من خلال مذكرات شخصيات أخرى عاصرت الشاهد الضيف.
قد يقول قائل: ما فائدة البرنامج طالما أنه يذكر معلومات كتبها صاحبها في مذكراته وعفا عنها الزمن؟ الإجابة هي أن كثيراً من الناس لا يعرفون ما كان في تلك الحقبة، إما لأنهم عايشوها ولم يكن لهم اهتمام بالشأن العام، وإما لأنهم ولدوا بعدها، فوصلت إليهم معلومات من مصادر محددة اختزلت لهم الحقيقة، وهنا يمكن ذكر المثل الشعبي القائل: «ما أكذب من شاب تغرّب إلا ختيار ماتت أجياله». ثم من خلال السرد الصوتي ولغة جسد الضيف، يكتشف المشاهد هل ما كتبه الشاهد وقاله صحيح أم لا؟ ثم إن معرفة التاريخ من صانعيه أو ممن كان على قرب منه تكشف خفايا كثيرة لم يكن المواطن العادي أو الباحث العادي ليعرفها، كما أن معرفة تلك الأحداث تفيد في رسم تصورات لما يمكن أن يحدث في الحاضر والمستقبل، على اعتبار أن الأحداث التاريخية، بما أن صانعيها بشر، فهي قد تتشابه إلى حد كبير.
شاهد على العصر من حيث الشكل ليس غريباً عن بقية البرامج، فقد سبقته برامج عدة، ولكن الجديد أنه يستنطق الضيف، ويذكر ما يؤيدها أو يعارضها فيما كتبه آخرون لإضفاء المصداقية عليها.
شاهد على العصر حلبة صراع ليست جسدية، بل مصارعة ومكاشفة أحداث وذكريات تاريخية، يقتنص أحمد منصور المعلومات من فم الشاهد، فيولد سؤال من كل جملة يتفوه بها الضيف، ليحصل على أكبر كم ممكن من المعلومات.
تابعت على فترات الكثير من الشهود الذين قالوا شهاداتهم على العصر، وخاصة الشهود الفلسطينيين، فتعرفت على أشياء لم نقرأ عنها ولم نستيقنها بالشكل الذي قالوه عنها، وعرفت من خلالهم أحداث الثورة الفلسطينية منذ النشأة حتى وقت الإدلاء بالشهادة، فقالوا كلاماً كثيراً يصلح أن يكون مجالاً للفخر، وكلاماً أكثر يصل حد الفضائح.
وبما أنني شاهد على عصر تقاعس فيه أبناء جلدتنا عن نصرتنا في فلسطين، وتركونا لأكلي لحوم البشر ليأكلوا لحمنا ويشربوا دمنا، سأقول إن هذا الذي تعانيه فلسطين الآن هو نتيجة أن العرب الرسميين قد تساوقوا مع العدو أكثر مما يريد، وتركوه يقتلنا بلا رحمة، وكل يوم يسقط أحبابنا ليكونوا شهداء على عصر الرذيلة العربية، وعصر الهزيمة التي وصلت حتى النخاع، وأحدث الشهداء هو صديقي وسام عزات سلطان، الذي استهدفته مع رفاقه طائرات الاحتلال في نقطة يديرها هو، تتبع لوزارة الاقتصاد على الحدود الجنوبية الغربية لمحافظة رفح. رحمهم الله.

























































