اخبار سوريا
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٣١ أب ٢٠٢٦
يحاول الجيش تطهيرها من المخدرات والأسلحة والأنفاق والمعابر غير الشرعية
في الجنوب الغربي من مدينة حمص، وسط سوريا، وعلى بعد 15 كيلومتراً من الحدود المشتركة مع لبنان شقت المركبة سريعاً طريقها تطوي خلفها أشجار السرو الباسق وبساتين التفاح والمشمش والزيتون، جميعها مزروعات اشتهرت بها مدينة القصير الحدودية، وإن بدا أجزاء منها مقطوعاً أو يابساً بعد سنوات حرب ثقيلة وطويلة، منح عودة الأهالي إلى تلك المدينة الريفية بصيص أمل للحياة مجدداً بعد هجرة قسرية منها.
في جولة داخل آخر معاقل 'حزب الله' اللبناني في مدينة القصير الحدودية، رصدت 'اندبندنت عربية' مواقع الأسلحة وإحدى المسيرات الإيرانية، كذلك وثقت شهادات حية لمقاتلين شاركوا ضمن عملية 'ردع العدوان' ولقاءات مع أهالي تحدثوا عن واقع أليم للمدينة التي هجرها أهلها بشكل قسري وكيف أزيلت أشجار معمرة غرب نهر العاصي لتتحول أراضي زراعية في ريف القصير إلى مواقع لزراعة الحشيش وإنتاج المخدرات.
ولا تزال محاولات الجيش السوري اليوم مستمرة لبسط نفوذه على كامل المنطقة الحدودية، حيث عثر بالفعل على أنفاق كان 'حزب الله' جهزها للانتقال بين سوريا ولبنان، مع إرسال تعزيزات لفرق استطلاع ورصد متخصصة على الحدود مع لبنان.
في الأيام الأولى لسقوط نظام الأسد كانت 'اندبندنت عربية' حاضرة في القصير، حيث بدت المدينة خالية من القاطنين وتتشح بالسواد، حال بؤس خيمت على بيوتها المهجورة، حتى 'المنطقة الصناعية' التي كانت أكثر الأماكن حساسية بدت من الخارج مدينة مسيجة بالأسلاك، وتتربع على مدار السواتر الترابية العالية التي تحيط بها كالسوار بالمعصم غرف حراسة صغيرة، ومرابض لمدافع متوسطة.
وسط أجواء عسكرة المدينة ظهرت المنطقة محظورة الوصول إليها حتى بعد التحرير لخطورتها ولاحتوائها على ألغام ومتفجرات، لا سيما احتواء المكان على مخازن ومستودعات للذخيرة وأسلحة، وسط مخاوف من احتمال تفخيخ المكان قبل إخلائه.
آنذاك تحدث القائد العسكري في منطقة القصير، نضال أبو عيوش الملقب (أبو علي)، عن كيفية تحويل الفصائل التابعة لإيران كامل مدينة القصير خلال عام 2013 إلى منطقة أمنية، وبات لها حدود على كامل الجغرافية مستفيدة من المعابر الشرعية وغير شرعية.
حينها قال أبو علي، 'لقد استغل ’حزب الله‘ الفرصة بمتاخمته للحدود بين سوريا ولبنان، وهجّر أهالي المدينة بأكملها على رغم عودة بعض العائلات من عدة طوائف مسلمة ومسيحية لكنهم صدموا بمدارس فارغة بعد أن استخدمها الحزب لمصلحته وحولها إلى مكاتب عسكرية، وحول المنطقة الصناعية وسوق الهال إلى مستودع ذخيرة، واستغل الفرن الآلي لمصلحة عناصره ولم يستفد أهل البلد منه'.
وينظر أبو علي حوله ويشير إلى المربع الأمني الذي كان يقف به، قائلاً 'لقد هجّر الحزب الناس من كل البيوت تلك واستولى عليها ومعه الجامع'.
تقع 'المنطقة الصناعية' في القصير عند المدخل الشرقي للمدينة، وتتجاوز مساحتها ما يقارب كيلومتراً واحداً، لكن الصناعيين أجبروا على إخلاء محالهم بعد أن أمسك 'حزب الله' بالقبضة الأمنية في المنطقة وأخلاها بالكامل، لكنها تظل تحظى بأهمية كبيرة، إذ شكلت المصدر الأساسي للإمداد والقوة العسكرية الباطشة على الحدود.
ولا يزال العتاد وسيارات الدفع الرباعي المعطلة والعربات المكشوفة شاهدة على فوضى الحرب والتي كان 'حزب الله' يمتلكها بهدف تثبيت المدافع والرشاشات متوسطة الحجم عليها، علاوة على الأسلحة المكدسة في شاحنات كبيرة وكانت معدة للتهريب قبل أن يصادرها المقاتلون في عملية 'ردع العدوان' عام 2024.
أما المخازن التي يتكدس فيها السلاح الإيراني والذخيرة الآتية من طهران جاءت عبر الممر البري الذي استخدم لسنوات طويلة خلال فترة الصراع السوري المسلح بين عامي 2013 و2024 مروراً بالعراق إلى الأراضي السورية ومن ثم إلى لبنان توضع أغلبها في المنطقة الصناعية فضلاً عن انتشار ورش التصنيع والإصلاح، وهي ورش فنية لإصلاح آليات عسكرية ثقيلة وحاملات الجند أو عرباتهم العسكرية.
تقول مصادر مطلعة إن 'مخازن السلاح والذخيرة توزعت على عدة أماكن بعد غارات جوية إسرائيلية شنتها على المنطقة الصناعية في القصير خلال الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 وشاهدنا خلال الجولة أجزاء من المباني المدمرة بالقصف الإسرائيلي بسبعة صواريخ أسفرت عن مصرع أربعة سوريين من العاملين مع ’حزب الله‘ اللبناني'.
وفي معرض شرح القائد العسكري أبو عيوش لواقع تلك المنطقة الصناعية ومخازن السلاح الإيراني وما رافق ذلك من تدفق السلاح ومقاتلين يتبعون لفصائل موالية لطهران، أبدى استغرابه من كيفية ضم هذه المساحة الواسعة من الأراضي والبيوت وتهجير أهالي البلدة من بيوتهم.
ويروي، 'عندما اندلعت عملية ردع العدوان، وأثناء دخولنا إلى القصير عند الساعة السابعة والنصف صباحاً كان الحزب يلوذ بالفرار، لقد صادرنا سيارات وآليات محملة بالسلاح والذخيرة، كذلك وجدنا في المقار مواد الكبتاغون والحشيش'.
أجواء ساعدت 'حزب الله' والميليشيات الإيرانية على تحويل مزارع القصير إلى بؤر لإنتاج الحشيش، بعدما بسطت الميليشيات نفوذها الكامل على المنطقة، وحولت الأراضي لمركز أساسي وخصب لزراعة القنب الهندي.
كذلك استفادت المجموعات المسلحة التي سخرها 'حزب الله' للزراعة من توافر الشروط المناسبة لزراعات المخدرات بدءاً من الأراضي الخصبة وتحديداً نوعية التربة المناسبة وصولاً إلى وفرة المياه.
وارتبطت الزراعة بقيادات أمنية، وجهات ذات سطوة منها الفرقة الرابعة التي كان يقودها في ذلك الوقت ماهر الأسد شقيق بشار الأسد، والإشراف على الأراضي بوضع اليد عليها بالقوة، وما تبعها من سلسلة إنتاج تتمثل بالتجفيف والتغليف والتصنيع، ومن ثم التوريد، بحيث ارتبطت أسماء وشخصيات من الجانبين السوري واللبناني بعمليات التهريب إلى لبنان، ومنها إلى دول عربية وخليجية.
أحد سكان القصير، عبد القادر إسماعيل عاد إلى مدينته بعد غياب امتد منذ عام 2016 عاش طوال تلك الفترة في إدلب، شمال سوريا، تحدث عن تحويل المنطقة الصناعية وما حولها إلى منطقة أمنية يحظر الوصول حتى نحو أسوارها في حماية غير مسبوقة لحساسية المكان، وبلغ الأمر بإخلاء إحدى المدارس لتحويلها إلى مقر أمني، 'فكل شي مباح لأن يتحول بكلمة واحدة إلى مكان عسكري ضمن سياق الأسباب الأمنية التي منحت ’حزب الله‘ لسنوات التمدد داخل سوريا'.
ويضيف، 'هنا كانت القصير مركزاً مهماً للحشيش. وكان ’حزب الله‘ يمد دمشق بالمواد أو يعمل على تهريب هذه المواد إلى كل الدول العربية عبر لبنان وتوزع في سوريا بعد أن أغرق السوق المحلية. لقد استغل حتى بيوت الأهالي ليحولها إلى مستودعات للسلاح والحشيش'.
وانتشرت زراعة القنب الهندي في ريف القصير، واتسعت لتشمل ما يناهز عن 20 قرية بخاصة في ريف القصير الغربي حيث البلدات المحاذية للحدود اللبنانية منها قرى 'العقربية، حاويك، زيتة، القصر'.
وبعد حصد المحاصيل تبدأ مرحلة التصنيع ثم تصديره إلى الجانب اللبناني عبر تمريره من خلال معابر وطرق سرية لشبكة من تجار المخدرات، أو يصنع ويحول إلى السوق السورية التي أغرقت بالمخدرات. ولهذا حرص 'حزب الله' على عدم عودة أهالي القصير إلى بيوتهم وأراضيهم حتى يتمكن من العمل بحرية كاملة.
يروي القائد العسكري أبو عيوش أن 'هرب المخدرات من خلال جميع المعابر ولم يقتصر الأمر على الحشيش بل هرب البشر أيضاً ولم يترك شيئاً إلا وفعله، فمنذ عام 2014 بدأ الحزب قطع الأشجار في منطقة غرب العاصي ليباشر زراعة مادة الحشيش على مدار ثمانية أعوام'.
وفي تصريح خاص للمتحدث باسم قسم مكافحة المخدرات في حمص، أنور عبد الحي، أكد أن 'تجارة المخدرات كانت تجري عبر مراحل عدة، بداية من الزراعة ثم التصنيع ثم التصدير ضمن مجموعة من الأساليب والتقنيات التي يستخدمها المهربون لتجاوز الحدود وعبر طرق عدة، بحيث أنشئت شبكة طرق وأنفاق معقدة يستخدمها المهربون لتهريب المخدرات إلى دول الجوار بمساعدة ميليشيات ’حزب الله‘ التي كانت موجودة في الداخل السوري'.
ويضيف: 'تهريب المخدرات كان يجري عن طريق شاحنات محملة بمواد غذائية أو معدنية، وبعد كل عملية تهريب كان النظام يعكف على تغيير خطط التهريب واللجوء إلى تكتيك جديد، حتى إنه كان يستخدم الطائرات المسيّرة لهذا الغرض وكل هذه العمليات كانت تدار من خلال رموز النظام، تحديداً قائد الفرقة الرابعة ماهر الأسد الذي خصص مقومات وإمكانات الفرقة لهذا الغرض الدنيء'.
على رغم اتساع المنطقة الأمنية الخاصة بـ'حزب الله' في القصير، عملت الفرق الهندسية التابعة للجيش السوري ومنذ أكثر من عام على إزالة الألغام والمفخخات التي كانت تحيط بها أو توضع في أماكن حساسة من مواقعها. ولا تزال مستودعات الأسلحة والملابس العسكرية والورش الفنية الخاصة بالإصلاح وعينات الحشيش شاهدة على أوضاع عاشتها سوريا لسنوات.
ففي داخل مبنى حكومي يبدو أنه كان مدرسة وتحول إلى مقر لإقامة الجنود ومعسكر تدريب لهم، حيث لا تزال جدرانه شاهدة على كتب دينية ما زالت معلقة على رفوفها، بينما تناثرت صور لقائد فيلق القدس الإيراني الراحل قاسم سليماني وأخرى للقيادي بـ'حزب الله'، عماد مغنية، في حين ثبتت عبارة كتب عليها 'مجموعة أمير المؤمنين (ع)' على إحدى الغرف وبداخلها أسرّة حديدية بشكلها العسكري المعتاد، لكن السلاح الكنز الذي حصل عليه مقاتلو ردع العدوان كانت الطائرة المسيرة 'أبابيل' والعثور عليها معدة للتهريب إلى لبنان عبر الحدود.
وتعد طائرة أبابيل صناعة إيرانية من دون طيار يصل مداها لنحو 250 كيلومتراً وزمن طيران يزيد على أربع ساعات وفيه عدة طرازات (أبابيل 2 ـ 3 ـ 5). وهي مسيرة مفيدة لأغراض الاستطلاع والرصد والمراقبة، ومهام قتالية هجومية، استخدمت في عدة مناطق في الحرب السورية، وفي حرب 'حزب الله' في لبنان، إضافة لحرب الحوثيين في اليمن.
ويرجح أحد العسكريين أن السقوط المدوي لنظام الأسد قبل الوصول إلى حمص وضع أفراد 'حزب الله' وقيادته على المحك وفكروا في الهرب على البقاء للقتال، ولعل الشحنات التي كانت مجهزة خير دليل على ذلك. ويردف 'من الواضح أن سرعة تقدم قوات غرفة العمليات قد فاجأ قيادة ’حزب الله‘، لهذا تخلت عن كل شي وفضلت الهرب، لتظهر وكأنها نمر من ورق'.
واليوم وبعد سنوات عملت خلالها ميليشيات القصير على استغلال المعابر الشرعية وغير الشرعية على الحدود السورية – اللبنانية، أعاد الجيش السوري الجديد انتشاره في القصير الحدودية، حيث ينفذ اليوم مهام مراقبة شديدة لمنع التهريب.
ونجحت القوات السورية خلال أبريل (نيسان) الماضي في رصد خمسة أنفاق في الأقل من بينها نفق ممتد من قبو أحد المنازل عبر درجات إسمنتية إلى ممرات ضيقة ومظلمة كانت تستخدم في ما سبق للعبور، وجهزت الأنفاق بالكهرباء والإضاءة والتهوية المناسبة.
يأتي ذلك بعد عمليات بحث مكثفة من قبل الجيش السوري الذي أرسل تعزيزات للانتشار على الحدود مع لبنان وكتائب استطلاع ومراقبة لإيقاف أي شكل من أشكال التهريب والأنشطة غير الشرعية على الحدود.




































































