اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١٨ أذار ٢٠٢٦
يشعر كثيرون اليوم أننا نعيش لحظة تحوّل تاريخي حقيقية. من الشرق الأوسط إلى أفريقيا وأوروبا وأميركا، تتكاثر الأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية، ويبدو المشهد العالمي وكأنه يُعاد تشكيله بهدوء ولكن بعمق. فهل نحن أمام نظام عالمي جديد تحكمه الرأسمالية المتوحشة؟ أم أننا فقط نمرّ بمرحلة انتقالية صاخبة بين توازنات قديمة وأخرى لم تتبلور بعد؟
النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية بقيادة الولايات المتحدة لم يعد يحتفظ بالهيمنة المطلقة التي عرفها لعقود. في المقابل، برزت قوى صاعدة مثل الصين، وعادت روسيا لتفرض نفسها لاعباً استراتيجياً يقلق أوروبا، بينما تسعى قوى إقليمية في الشرق الأوسط إلى تثبيت أدوار أكثر استقلالية. هذا التحوّل لا يعني بالضرورة انهيار النظام العالمي، لكنه يشير إلى انتقال من أحادية القطب إلى تعددية قطبية تتنافس فيها المصالح والنفوذ.
الحروب المقبلة لم تعد عسكرية فقط. أدوات الصراع أصبحت اقتصادية وتكنولوجية بالدرجة الأولى: عقوبات، تحكم بسلاسل الإمداد، سباق على الطاقة والمعادن النادرة، وهيمنة على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. نحن أمام ما يشبه حرباً عالمية باردة ناعمة، تُدار عبر الاقتصاد والأسواق والديون والمؤسسات المالية. في هذا السياق، تبرز الشركات العملاقة كلاعبين مؤثرين، إذ باتت بعض الكيانات الاقتصادية – أو حتى الأفراد الذين يقفون خلفها – تتجاوز ميزانياتهم ميزانيات دول، ما يعزز المخاوف من تغوّل رأس المال العالمي تحت عناوين سياسية مختلفة. كما أن ما كُشف في قضايا مثل قضية جيفري إبستين، إضافة إلى تحقيقات إعلامية بثتها الجزيرة، غذّى الشكوك حول طبيعة العلاقات بين المال والنفوذ والسياسة في الكواليس.
الشرق الأوسط، بما يملكه من موارد طاقة وموقع جغرافي حيوي وممرات بحرية استراتيجية، يبقى في قلب هذا التنافس. الحديث عن إدارة مباشرة قد يكون مبالغاً فيه، لكن المؤكد أن الصراع على النفوذ والاستثمار وإعادة الإعمار سيكون حادّاً. وفي خضم ذلك، يبرز سؤال أخلاقي عميق: أين الإنسانية وسط حسابات المصالح؟ صحيح أن السياسة الدولية تحكمها اعتبارات القوة والأمن والاقتصاد، لكن المجتمعات المدنية، والإعلام، والرأي العام العالمي – خاصة في عصر المنصات الرقمية – لا تزال قادرة على تشكيل قوة ضغط مؤثرة، حتى وإن حاولت بعض القوى الاقتصادية التأثير في اتجاهاتها.
تغذّي هذه المخاوف صوراً مقلقة شبيهة بما رأيناه في فيلم The Hunger Games، حيث تنقسم المجتمعات إلى طبقات حادّة تحت سلطة مركزية تتحكّم بالموارد والمصير. ورغم أن الواقع أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً من السينما، فإن التفاوت الطبقي المتزايد، واحتكار الثروة، وتراجع الثقة بالمؤسسات، كلها عوامل تجعل هذا التشبيه حاضراً في أذهان الكثيرين.
لسنا بالضرورة متجهين إلى عالم تحكمه قبضة واحدة خفية، لكننا بالتأكيد ندخل مرحلة يُعاد فيها توزيع القوة عالمياً، وتُعاد صياغة قواعد الاقتصاد والسياسة. قد تكون ملامح النظام الجديد قيد التشكل فعلاً، لكن تأثيره على المجتمعات والدول والأجيال القادمة هو السؤال الأهم.
وإذا كان هذا التحوّل العالمي يُقرأ من زاوية موازين القوى والاقتصاد والسياسة، فإن أخطر ما فيه قد لا يكون في تبدّل الخرائط، بل في تبدّل الوعي ذاته. إن اعتياد الناس على الأحداث غير الطبيعية، وتقبّلهم المتدرّج لأزمات كانت في زمن قريب تُعدّ صادمة أو غير مقبولة، يكشف إلى أي حدّ باتت العقول عرضة لإعادة تشكيل ناعمة ومنهجية. فالتكرار، وتسارع الأخبار، وإغراق المجتمعات بسيل متواصل من الأزمات، كلها عوامل تجعل الاستثنائي يبدو عادياً، والطارئ دائماً، والمقلق جزءاً من الروتين اليومي.
بهذا المعنى، لم يعد الرهان على رفض شعبي واسع يغيّر المسار، ولا على زعيم يقلب الطاولة ويعطّل خططاً كبرى. فالمجتمعات التي تُدرَّب تدريجياً على التكيّف مع كل أزمة، دون أن تمتلك طاقة الاعتراض أو حتى الرغبة في التغيير، تصبح أكثر قابلية للقيادة في الاتجاه المرسوم لها. نحن أمام واقع يُعاد فيه تعريف المقبول أخلاقياً وسياسياً وإنسانياً، بحيث يتأقلم الإنسان مع أزمات متلاحقة، ويتعايش مع اختلالات عميقة، من دون أن يشعر بقدرة حقيقية على مقاومتها.
قد لا يكون هناك «مخطط» واحد معلن أو قبضة خفية واضحة المعالم، لكن المؤكد أن نمط إدارة الأزمات عالمياً يسير نحو تكريس إنسانٍ متكيّف أكثر منه فاعلاً، ومتلقٍّ أكثر منه صانعاً للقرار.
رائد محمود











































































