اخبار سوريا
موقع كل يوم -سيريانديز
نشر بتاريخ: ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
سيريانديز ـ نجوى صليبه
يمهّد الصحفي والكاتب حسين الإبراهيم كتابه 'أجراس الصحافة الذكية تُقرع في غرف الأخبار' الصّادر، حديثاً، بتجربته الأولى بإنشاء موقع إلكتروني في الإعلام السوري عام 1998، تحديداً صحيفة 'تشرين' سابقاً 'الحرية' حالياً، إذ تلقّى الكثير من الدّعم وواجه الكثير من المعارضة في آن معاً، يوضّح: 'واجهت الكثير من المعارضة التي قادها حرّاس البوابة التّقليدية بحجج مختلفة، حتّى أنّ مديري آنذاك هددني برمي أجهزة الحواسيب من النّافذة'.
وكما العادة، هناك من يعارض كلّ جديد وكلّ خطوة نحو التّغيير والتّحديث، يقول الإبراهيم: 'اليوم يتكرر المشهد مع الذّكاء الاصطناعي، البعض يشجّع والبعض يرفض، وكأنّ هذا الموضوع ينتظر انتخابات واقتراع وديمقراطية'، مؤكّداً أهمية التّقنية الجديدة: 'ليس الذّكاء الاصطناعي موضوعاً تقنياً هامشياً يخصّ المختبرات أو الشّركات الكبرى فحسب، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية، وداخل غرف الأخبار تحديداً، بدأ يغيّر طريقة جمع المعلومات، والتّحقق منها، وصياغتها، وتوزيعها، والتّفاعل معها'، إلى قوله: 'لم يعد من الممكن للصّحافة أن تكتفي بمتابعة التّغيير من بعيد، بل صار عليها أن تفهمه، وتعيد تعريف أدواتها، وتراجع أسئلتها المهنية والأخلاقية في ضوئه... يأتي هذا الكتاب في لحظة حاسمة من تاريخ الإعلام، لحظة لم تعد فيها التّقنيات الجديدة مجرّد أدوات مساعدة، بل أصبحت قوى مؤثّرة في بنية الخبر نفسه، وفي علاقة المؤسسات الإعلامية بجمهورها، وفي معايير الدّقة والسّرعة والثّقة، لذلك لا يكتفي بوصف الذّكاء الاصطناعي من الخارج، بل يحاول وضعه داخل السّياق الصّحفي الحقيقي'.
يقسم الإبراهيم الكتاب إلى واحد وعشرين فصلاً، تحدّث فيها عن النّظريات والمفاهيم والأدوات والتّحديات المتعلّقة بالذّكاء الاصطناعي، ويخصص الثّامن عشر منها لدراسة حالات واقعية وقصص من غرف الأخبار التي تسمع الأجراس، متوقّفاً عند القصص الملهمة لغرف الأخبار التي نجحت في دمج الذّكاء الاصطناعي وجعلت 'أجراس' التّكنولوجيا تدقّ لمصلحة مهمّتها، مثل 'النيويورك تايمز' الأمريكية التي تستخدم الذّكاء الاصطناعي في تخصيص المحتوى وتحسين التّوزيع وأدوات الكشف عن المعلومات المضللة وأتمتة تقارير بسيطة ما زاد في تفاعل القرّاء وتحسين في استراتيجيات التّوزيع وزيادة في الاشتراكات الرّقمية، كذلك 'الغارديان' البريطانية التي تركّز بشكل كبير على صحافة البيانات باستخدام الذّكاء الاصطناعي في فريق البيانات الصّحفية والأدوات التّفاعلية وتلخيص تقارير طويلة وإنشاء محتوى قصير لوسائل التّواصل الاجتماعي، فكانت النّتيجة إنشاء قصص استقصائية عميقة تستند إلى بيانات قوية وزيادة في فهم الجمهور للقضايا المعقّدة.
لكن ما هي الابتكارات المحتملة التي ستعيد تشكيل صناعة الأخبار مرّة أخرى؟ سؤال يطرحه المؤلّف في الفصل التّاسع عشر، متطلعاً إلى المستقبل ومستشرفاً مسارات التّطوّر، ليضع في النّهاية إطاراً للتّحضير لعصر ما بعد الأجراس، مؤكّداً الحاجة إلى جهود وعمل متكامل، ومبيّناً: 'لا يمكننا الانتظار لنرى كيف سيتطوّر الذّكاء الاصطناعي وكيف سيؤثّر علينا.. نحن مطالبون بأن نكون مشاركين فاعلين في تشكيل هذا المستقبل، وأن نضمن أن التّكنولوجيا تخدم مهمّة الصّحافة النّبيلة بدلاً من أن تمليها'.
ما هي التّوقّعات والتّوجّهات المستقبلية في تطوّر أدوات الذّكاء الاصطناعي؟ سؤال يخطر في بال الكثيرين، ويجيب عليه المؤّلف بالقول: 'الوتيرة المتسارعة للابتكار في مجال الذّكاء الاصطناعي تجعل التّنبؤ الدّقيق بالمستقبل أمراً صعباً، لكن هناك توجّهات واضحة تشير إلى مسارات التّطوير المحتملة'، ومن هذه المسارات يذكر نماذج لغوية أكثر قدرة وتخصصاً، وتطوّر أدوات الكشف عن المعلومات المضللة، وتحديد المصادر الموثوقة، وتوقّع الأحداث والاتّجاهات ونماذج محاكاة متقدّمة، والذّكاء الاصطناعي التّعاوني.
ابتكارات تولّد تحديات جديدة في العمل الصّحفي كتآكل الثّقة والفجوة الرّقمية والحاجة إلى مهارات جديدة، لذا يقدّم المؤلّف مقاربة استباقية لمواجهة مستقبل الذّكاء الاصطناعي في صناعة الأخبار، كالاستثمار في البحث والتّطوير المتمثل بالتّعاون بين غرف الأخبار وشركات التّكنولوجيا ودعم البحث الأكاديمي، وتعزيز ثقافة التّعلّم المستمر من خلال برامج تدريب متخصصة وتشجيع التّجريب والدّعوة إلى تنظيم مسؤول لوضع قوانين تحمي الخصوصية وتكافح التّضليل وتضمن الشّفافية، وتحقيق التّوازن بين الفرص والمخاطر، ويؤكّد: 'المقاربة الاستباقية هي مفتاح النّجاح، إنّها تتيح لنا أن نكون مبدعين في تبنّي الفرص، وحذرين في مواجهة التّحديات، ومسؤولين في تشكيل مستقبل الذّكاء الاصطناعي في الصّحافة.. ليس المستقبل قصة تُروى، بل قصة تُكتب وبأيدينا، وبذكائنا، وبأدوات الذّكاء الاصطناعي، يمكننا أن نكتب قصّة صحافية قويّة، جديرة بالثّقة وقادرة على مواجهة تحدّيات المستقبل'.
ويختم الصّحفي والكاتب حسين الإبراهيم كتابه بالقول: 'قصّة الصّحافة في عصر الذّكاء الاصطناعي ما تزال في بدايتها. 'الأجراس' التي سمعناها هنا لم تدق إيذاناً بالرّاحة، بل لدعوة مستمرة إلى اليقظة، والتّعلّم، والابتكار.. الذّكاء الاصطناعي ليس نهاية المهنة، بل هو فصل جديد مليء بالفرص والتّحديات.. يعتمد مستقبل العمل الصّحفي في غرف الأخبار على قدرتنا التي تكمن في دمج هذه التّقنيات القوية بمسؤولية، مع الحفاظ على جوهر قيمها الأساسية، وهو ما يتطلب تضافر جهود الصّحفيين والتّقنيين والمؤسسات الإعلامية والجمهور وصنّاع السّياسات.. علينا العمل لضمان بقاء 'صدى الأجراس' صوتاً للحقيقة والمساءلة والمجتمعات المستنيرة'




































































