اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
أحياناً لا يحتاج العالم إلى خطاب جديد بقدر ما يحتاج إلى من يكشف التناقض في خطاباته القديمة. وهذا، في تقديري، هو المدخل الحقيقي لقراءة كلمة جلالة الملكة رانيا العبدالله في كيب تاون؛ فقد وضعت جلالتها المجتمع الدولي أمام مفارقة لا يمكن تجميلها: كيف لعالمٍ جعل حقوق الإنسان دستوراً لخطابه أن يعجز عن جعل الإنسان أولويةً في ممارساته؟ وكيف يمكن للقانون أن يحتفظ بهيبته حين يصبح تطبيقه رهناً بهوية من يحتاج إلى حمايته؟ هنا تحديداً تجاوزت الكلمة حدود المناسبة، وانتقلت من منصة الخطابة إلى منصة المساءلة.
ما يلفت في خطاب جلالتها ليس فقط وضوح الموقف، بل هندسة الرسالة ذاتها؛ إذ بدأت من الأردن، واستحضرت جرح الكرك، لتؤكد أن مواجهة التطرف لا تعني التخلي عن قيم التسامح والتعدد، وأن قوة الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، بل أيضاً بقدرتها على حماية هويتها الأخلاقية.
ومن الأردن إلى فلسطين، اتسعت دائرة الخطاب لتلامس جوهر الأزمة الدولية. لم تكن المسألة مجرد استعراض للمأساة الإنسانية، بل مساءلة لمنظومة العدالة الدولية، وللمعايير التي يفترض أن تحكم سلوك الدول. فحين يصبح القانون الدولي انتقائياً، لا تكون الأزمة في تطبيق النصوص وحده، بل في تآكل الثقة بالمنظومة التي وُجدت لحماية الإنسان. وهنا قدمت الملكة قراءة تتجاوز التضامن العاطفي إلى المطالبة بالمسؤولية والمحاسبة.
وكان لاختيار كيب تاون دلالته الخاصة؛ فهذه الأرض التي عرفت قسوة الفصل العنصري، واحتضنت إرث نيلسون مانديلا، ليست مجرد مكان لاستضافة قمة شبابية، بل ذاكرة تاريخية تعرف معنى الحرية حين تتحول من شعار إلى معركة. ومن هذا الرصيد الإنساني استحضرت جلالتها تقاطع التجارب النضالية، مؤكدة أن العدالة ليست امتيازاً جغرافياً، وأن كرامة الإنسان لا تتجزأ باختلاف هويته أو وطنه.
أما رسالتها إلى الشباب، فقد حملت بُعداً أكثر عمقاً من التحفيز المعتاد؛ إذ لم تخاطبهم باعتبارهم جمهور المستقبل فحسب، بل باعتبارهم شركاء في مساءلة الحاضر وصناعة الوعي. ودافعت عن حقهم في الغضب من الظلم، وعن ضرورة امتلاك المعرفة والأدلة في زمن تتصارع فيه الحقيقة مع التضليل، وكأنها تؤسس لمفهوم جديد للمواطنة العالمية: مواطنة لا تكتفي بامتلاك الصوت، بل تعرف كيف تستخدمه، ولا تكتفي بالتعاطف، بل تحوّله إلى موقف مسؤول.
وفي تقديري، فإن واحدة من أكثر الرسائل بلاغة في الخطاب هي تلك التي أعادت بها جلالتها الاعتبار للبديهة الإنسانية: ليس على الإنسان أن يعرف إحداثيات مستشفى كي يدرك أن قصفه جريمة. إنها عبارة تختصر فلسفة كاملة؛ فهناك حقوق لا تحتاج إلى مفاوضات كي تصبح واجبة الاحترام، وهناك حدود أخلاقية لا يجوز للسياسة أن تعيد رسمها وفق مصالحها.
وعلى المستوى الأردني، يكتسب هذا الحضور أهمية إضافية؛ فهو يعكس امتداداً إنسانياً ودبلوماسياً لثوابت الدولة الأردنية ومواقف جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين تجاه القضية الفلسطينية، ويقدم نموذجاً لدبلوماسية لا تكتفي بإعلان المواقف، بل تسعى إلى بناء قناعة دولية بها. إنها قوة التأثير الناعم حين تستند إلى موقف سياسي واضح، وإلى خطاب يمتلك القدرة على مخاطبة الحكومات والشعوب والأجيال بلغة يفهمها الجميع.
إن القيمة الحقيقية لهذه الكلمة لا تكمن في أنها قالت ما يريد كثيرون سماعه، بل في أنها طرحت ما لا يريد كثيرون مواجهته. وهذا هو الفارق بين خطاب يبحث عن التصفيق وخطاب يسعى إلى إحداث أثر، وبين حضور عابر على منصة دولية وحضور يترك أسئلة مفتوحة في ضمير العالم.
وفي هذا السياق، تتجلى خصوصية الحضور الفكري والإنساني لجلالة الملكة رانيا العبدالله؛ فهي تمتلك قدرة لافتة على تحويل القضايا الكبرى إلى رسائل تمسّ الوجدان، وعلى الجمع بين رصانة الموقف وذكاء التعبير، وبين عمق الفكرة وقوة التأثير. إنها لا تستعير للكلمة بريقها من مكانة المنبر، بل تمنح المنبر قيمةً بما تحمله كلمتها من رؤية ورسالة. وفي حضورها الدولي صورة أردنية مشرقة، تعرف كيف تجعل من الصوت جسراً، ومن الفكرة موقفاً، ومن الكلمة مساحةً للدفاع عن الإنسان وكرامته.
فالسياسة قد تنجح أحياناً في تأجيل الإجابات، لكنها لا تستطيع إلى الأبد إسكات الأسئلة. وفي كيب تاون، لم تكن الملكة رانيا تطلب من العالم أن يسمع صوت الأردن فحسب؛ كانت تذكّره بأن قيمة الصوت الدولي لا تُقاس بعلوّه، بل بقدرته على الانتصار لما يدّعي الإيمان به. وحين تكون الكلمة بهذا القدر من الوعي والشجاعة والإنسانية، فإنها لا تنتهي بانتهاء الخطاب؛ بل تبدأ رحلتها الحقيقية بعد أن يغادر صاحبها المنصة.

























































