اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢٣ أب ٢٠٢٦
مع اقتراب موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية، تتجدد مخاوف المزارعين الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين وقوات الاحتلال على أراضيهم وبساتينهم، في موسم يشهد عادةً تصاعدًا في الاعتداءات، من اقتلاع الأشجار وتخريب المحاصيل إلى منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم.
وفي قرية المنيا شرق بيت لحم، سجلت اليوم الأحد واحدة من هذه الاعتداءات، بعدما اقتلع مستوطنون إرهابيون أشجار زيتون وكرمة من أراضي المواطنين، تعود ملكيتها إلى عائلة الشلالدة.
اعتداءات متكررة
وقال رئيس مجلس قروي المنيا أحمد كوازبة إن المستوطنين اقتلعوا الأشجار من أراضي العائلة، مشيرًا إلى أن القرية ومناطق شرق بيت لحم تتعرض منذ فترة لاعتداءات متكررة تستهدف أراضي المواطنين وممتلكاتهم ومزروعاتهم.
وتأتي حادثة المنيا في وقت يستعد فيه المزارعون لموسم القطاف، الذي يشكل مصدر دخل أساسيًا لعائلات فلسطينية كثيرة، بعد أشهر من العمل في الأرض والعناية بالأشجار.
لكن الوصول إلى موسم القطاف لا يعني أن المزارع أصبح قادرًا على جمع محصوله؛ ففي مناطق عدة من الضفة، يواجه أصحاب الأراضي صعوبات في الوصول إلى بساتينهم، خصوصًا الأراضي القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
وفي بعض المناطق، يُسمح للمزارعين بالوصول إلى أراضيهم خلال فترات محددة، ما يجبر العائلات على جمع المحصول خلال وقت قصير، فيما يبقى جزء من الأشجار خارج متناول أصحابها.
وخلال موسم الزيتون عام 2025، وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 178 اعتداءً مرتبطًا بموسم الحصاد بين مطلع أكتوبر/تشرين الأول ونهاية نوفمبر/تشرين الثاني، طاولت 88 بلدة وقرية فلسطينية.
كما وثق المكتب خلال العام نفسه 1680 اعتداءً نفذها مستوطنون في أكثر من 270 تجمعًا فلسطينيًا، فيما تضررت أكثر من 6 آلاف شجرة زيتون وغرسة خلال موسم الزيتون.
وفي مقابل المخاوف من تصاعد اعتداءات المستوطنين مع اقتراب موسم القطاف، تبدو التوقعات الزراعية لموسم الزيتون 2026 أفضل من الموسم السابق. وقال الخبير في قطاع الزيتون فياض فياض إن كميات الأمطار الوفيرة التي شهدتها الأراضي الفلسطينية خلال الشتاء الحالي ستكون مفيدة لموسم الزيتون 2026، إلا أن أثرها الأكبر سيظهر في موسم 2027.
وأوضح أن الأمطار والبرد أسهما في تعزيز النمو الخضري للأشجار، من خلال ظهور أغصان جديدة وتقوية الأغصان الموجودة، وهو ما سينعكس بصورة أكبر على الإثمار في الموسم المقبل. وتوقع فياض أن يكون موسم 2026 جيدًا، لكنه لن يصل إلى مستوى المواسم القياسية، فيما يرجح أن يكون موسم 2027 تاريخيًا ويتجاوز معدل الإنتاج السنوي، وربما يقترب من الرقم القياسي المسجل عام 2019.
موجة متواصلة
ولا تبدو اعتداءات موسم الزيتون المقبلة منفصلة عن موجة اعتداءات متواصلة شهدتها الضفة الغربية منذ بداية العام، إذ وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أكثر من 1380 حادثة مرتبطة باعتداءات المستوطنين حتى نهاية يوليو/تموز، طاولت أكثر من 250 تجمعًا فلسطينيًا، بمتوسط نحو 6.6 اعتداءات يوميًا.
وقال المكتب إن يوليو/تموز كان، إلى جانب مارس/آذار، أكثر الشهور دموية للفلسطينيين في اعتداءات المستوطنين منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما أصيب نحو 900 فلسطيني في سياق هذه الاعتداءات منذ بداية 2026، ونزح أكثر من 2300 آخرين بسبب اعتداءات المستوطنين والقيود المرتبطة بها.
ومع اقتراب موسم القطاف، تكتسب هذه الأرقام دلالة إضافية بالنسبة إلى المزارعين، خصوصًا في المناطق التي شهدت خلال الأشهر الماضية اعتداءات متكررة على الأراضي الزراعية ومصادر رزق أصحابها.
ولا تقتصر الاعتداءات على منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، إذ تشمل قطع الأشجار وإحراقها واقتلاعها وإتلاف المحاصيل، إلى جانب سرقة معدات وممتلكات مرتبطة بالعمل الزراعي.
وبالنسبة إلى المزارع، فإن اقتلاع شجرة زيتون لا يعني فقدان محصول موسم واحد؛ فالشجرة التي أمضت سنوات في الأرض تحتاج إلى سنوات أخرى إذا أراد صاحبها استبدالها بشجرة جديدة منتجة.
وتتحمل العائلة خلال هذه الفترة تكلفة إعادة زراعة الأرض والعناية بالأشجار، فيما تفقد في الوقت نفسه الدخل الذي كانت توفره الأشجار التي جرى تدميرها.
وتتسع الخسارة أكثر لأن موسم الزيتون لا يرتبط بالمزارع وحده؛ فالقطاف يوفر عملًا لآلاف العمال، ويحرّك وسائل النقل والمعاصر والتجارة، ويؤمن دخلًا للعائلات التي تعتمد على الزيتون بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وبحسب المحلل في مرصد البحر المتوسط التابع لمعهد القديس بيوس الخامس في روما جوزيبي دينتيتشه، فإن قطاع الزيتون يوفر أكثر من 60 ألف فرصة عمل في الاقتصاد الفلسطيني، ما يجعل تراجع الإنتاج مؤثرًا في سلسلة واسعة تبدأ من الحقول وتنتهي في الأسواق.
ويشير دينتيتشه إلى أن الضرر الذي يلحق بالأشجار ينعكس على المزارعين والعمال الموسميين والمعاصر ووسائل النقل والتجار والمصدرين، وليس على أصحاب الأراضي وحدهم.
وفي القرى الزراعية، حيث لا تتوفر دائمًا فرص عمل بديلة، تعتمد أسر كثيرة على ما تنتجه أراضيها من الزيتون والمحاصيل الأخرى، ولذلك فإن خسارة الأشجار أو عدم القدرة على الوصول إليها خلال الموسم تنعكس مباشرة على دخل الأسرة.
ويزداد الضغط عندما لا يستطيع المزارع الوصول إلى أرضه في الوقت المناسب؛ فالأشجار تحتاج إلى رعاية طوال العام، كما أن تأخير القطاف قد يؤدي إلى فقدان جزء من المحصول.
سباق مع الوقت
وتتحول فترة القطاف في بعض المناطق إلى سباق مع الوقت، إذ يحاول المزارعون جمع أكبر كمية ممكنة خلال الأيام التي يتمكنون فيها من الوصول إلى أراضيهم، وسط مخاوف من اعتداءات المستوطنين أو إغلاق الطرق المؤدية إلى البساتين.
ولا يحتاج المزارع دائمًا إلى خسارة أشجاره حتى يخسر محصوله؛ فحرمانه من الوصول إلى الأرض في الوقت المناسب قد يؤدي إلى ترك جزء من الثمار دون قطاف، أو عدم تمكنه من العناية بالأشجار بالشكل المطلوب.
ومع استمرار هذه الظروف، تتراجع قدرة بعض الأسر على الاستثمار في أراضيها، خصوصًا عندما تتكرر الخسائر وتصبح إعادة تأهيل الأشجار والمزارع مكلفة.
ويحذر دينتيتشه من أن استمرار الاعتداءات والقيود على الوصول إلى الأراضي قد يؤدي إلى ما وصفه بـ'النزوح الاقتصادي'، بحيث تبقى الأرض ملكًا لأصحابها، لكن استخدامها كمصدر للدخل يصبح أكثر صعوبة.
وتبقى آثار اقتلاع الأشجار لسنوات؛ فالشتلة الجديدة تحتاج إلى وقت طويل قبل أن تصبح منتجة، فيما يحتاج المزارع إلى مواصلة الإنفاق على الأرض خلال هذه الفترة من دون عائد مماثل لما كان يحصل عليه من الأشجار القديمة.
وفي موسم الزيتون، لا يخسر المزارع محصوله فقط عندما تُقتلع الأشجار أو يُمنع من الوصول إليها، بل يخسر جزءًا من العمل الذي أنفقه طوال العام، ويخسر معه دخلًا كان ينتظره في نهاية الموسم.
ورغم ذلك، يواصل المزارعون العودة إلى أراضيهم وقطف الزيتون كلما تمكنوا من الوصول إليها، لأن ترك الأرض دون زراعة أو رعاية يعني خسارة مصدر دخل آخر، ويفتح المجال أمام تراجع إنتاجها مع مرور الوقت.
ومع دخول موسم القطاف، تتجه أنظار المزارعين إلى أراضيهم في مختلف مناطق الضفة الغربية، وسط خشية من اتساع الاعتداءات خلال الأسابيع المقبلة. وفي المنيا، يأتي اقتلاع أشجار عائلة الشلالدة اليوم ضمن هذا المشهد، فيما تترقب القرى الزراعية موسمًا جديدًا وسط إجراءات وقيود تحدد قدرة أصحاب الأراضي على الوصول إلى بساتينهم وجمع محصولهم.

























































