اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ١٢ أيلول ٢٠٢٦
وفي مقاله المنشور في صحيفة 'هآرتس'، يذهب ليفي إلى أن الفصل بين 'إسرائيل' والمستوطنات يمثل جوهر المشكلة في المقاربة الغربية، معتبرًا أن التعامل مع المستوطنين باعتبارهم مجموعة منفصلة عن الدولة التي ترعاهم يمنح الأخيرة مساحة للاستمرار في مشروع التوسع الاستيطاني دون تحمل تبعاته السياسية والاقتصادية.
ويفتتح ليفي مقاله بانتقاد ساخر للتدابير البريطانية والغربية الأخيرة، معتبرًا أن الأطراف المعنية تخوض لعبة سياسية محدودة التأثير، فيما تواصل 'إسرائيل' الرد على العقوبات بإجراءات لا تمس جوهر المشروع الاستيطاني على الأرض.
ويرى الكاتب أن العقوبات لن توقف بناء المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية، كما لن تحول دون استمرار اعتداءات المستوطنين أو عمليات الاستيلاء على الممتلكات والمواشي، طالما أن البنية الرسمية التي توفر الحماية لهذه الأنشطة لم تتعرض لأي ضغط حقيقي.
ويعتبر ليفي أن الخطوة البريطانية تحمل، في المقابل، دلالة سياسية مهمة، باعتبارها المرة التي تعلن فيها دولة غربية بوضوح أن ما يجري في الضفة الغربية يرتبط بالتطهير العرقي، وهو توصيف يراه الكاتب تطورًا أخلاقيًا وسياسيًا مهمًا، حتى وإن كانت الإجراءات المترتبة عليه، من وجهة نظره، لا تزال محدودة.
لكن المشكلة، وفق طرحه، تبدأ من اقتصار العقوبات على المستوطنين، بما يوحي بوجود كيانين منفصلين: 'إسرائيل' من جهة، والمستوطنون من جهة أخرى، بينما يرى ليفي أن المشروع الاستيطاني ليس نشاطًا هامشيًا تقوم به مجموعات خارجة عن الدولة، بل جزء من منظومة رسمية تشارك فيها الحكومة ومؤسساتها وأجهزتها المختلفة.
ويضع الكاتب في مقاله سؤالًا مباشرًا أمام الحكومات الغربية: كيف يمكن معاقبة المستوطنين فقط، بينما الحكومة الإسرائيلية هي التي بدأت مشروع الاستيطان ومولته ودافعت عنه ووفرت له الحماية السياسية والأمنية؟
ويستند ليفي إلى العقوبات الأوروبية التي فُرضت على روسيا بعد ضم شبه جزيرة القرم، معتبرًا أن المجتمع الدولي تعامل آنذاك مع الدولة المحتلة باعتبارها الطرف المسؤول، بينما يجري في الحالة الفلسطينية التعامل مع المستوطنين كأفراد منفصلين عن الدولة التي تسيطر على الأرض وتدير المنظومة الاستيطانية.
وفي أبرز خلاصاته، يكرر ليفي عبارته بأن 'المستوطنات هي إسرائيل، وإسرائيل هي المستوطنات'، في إشارة إلى أن المشروع الاستيطاني، من وجهة نظره، لا يمكن فصله عن الدولة ومؤسساتها، وأن معاقبة بعض المستوطنين دون استهداف الجهات الرسمية التي تمكنهم من التوسع لن تؤدي إلى تغيير جوهري.
وتظهر محدودية هذه العقوبات، بحسب الكاتب، في سرعة استئناف الخطط الاستيطانية بعد الإعلان عنها، إذ لم تمضِ فترة طويلة على الإجراءات البريطانية حتى عادت الإدارة المدنية الإسرائيلية إلى بحث مخططات جديدة لبناء مئات الوحدات الاستيطانية في الضفة الغربية.
ويشير ليفي إلى أن الإدارة المدنية ناقشت، بعد أقل من يوم على إعلان العقوبات، خطة لبناء 747 وحدة سكنية في مستوطنات بالضفة الغربية، وهو ما يقدمه باعتباره مؤشرًا على الفجوة بين الإجراءات السياسية التي تعلنها الحكومات الغربية وبين ما يجري فعليًا على الأرض.
كما يشكك الكاتب في حجم التأثير الاقتصادي للعقوبات، موضحًا أن صادرات المستوطنات إلى الأسواق الأوروبية لا تمثل سوى نحو 2.3% من إجمالي الصادرات الإسرائيلية إلى أوروبا، الأمر الذي يقلل من قدرة الإجراءات المحدودة على إحداث ضغط اقتصادي واسع على المشروع الاستيطاني.
ومن وجهة نظر ليفي، فإن محدودية الأثر لا ترتبط فقط بحجم التجارة، وإنما بطبيعة المشروع نفسه؛ فالمستوطنات لا تقوم على النشاط التجاري وحده، بل على منظومة سياسية وأمنية وقانونية تحظى بدعم الدولة، وهو ما يجعل الضغط على بعض الأفراد أو الكيانات التجارية عاجزًا عن وقف التوسع على الأرض.
ويحاجج الكاتب بأن المستوطنين أنفسهم لا يبدون استعدادًا للتراجع أمام مثل هذه الإجراءات، خصوصًا مع استمرار الدعم الرسمي الذي توفره الحكومة الإسرائيلية والمؤسسات المرتبطة بها، ولذلك فإن العقوبات الفردية لا تمس البنية التي تسمح بمواصلة الاستيطان والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية.
ويذهب المقال إلى أبعد من ذلك، حين يضع المسؤولية عن التوسع الاستيطاني في إطار الدولة نفسها، معتبرًا أن الحكومة والمؤسسات الرسمية ليست مجرد جهات تتسامح مع المستوطنات، وإنما أطراف أساسية في تمويلها وحمايتها وتوسيعها.
وبهذا المعنى، يرى ليفي أن العقوبات الحالية قد تمنح الحكومات الغربية والبرلمانات شعورًا بأنها اتخذت موقفًا ضد الاستيطان، لكنها في المقابل لا تمنع استمرار المشروع الذي يتوسع على الأرض الفلسطينية.
وتكشف قراءة المقال، من داخل صحيفة 'هآرتس' نفسها، عن اعتراف واضح بالفجوة بين الخطاب الغربي الرافض للاستيطان وبين الإجراءات العملية القادرة على التأثير فيه؛ فبينما تعلن عواصم غربية عقوبات على مستوطنين متورطين في الاعتداءات، تستمر المؤسسات الإسرائيلية في دفع مخططات البناء والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.
وفي خلاصة مقاله، يعتبر ليفي أن المفارقة تكمن في احتفال الحكومة والبرلمان البريطانيين بالعقوبات باعتبارها خطوة مهمة، بينما تواصل المستوطنات تمددها على الأرض، مدعومة من الدولة ومؤسساتها.
ومن المنظور الذي يقدمه الكاتب الإسرائيلي، لا تكمن المشكلة في عدد المستوطنين الذين يمكن إدراجهم على قوائم العقوبات، وإنما في النظام الذي يجعل الاستيطان مشروعًا رسميًا تتداخل فيه الحكومة والإدارة المدنية والأجهزة الأمنية والمؤسسات المختلفة.
وبذلك ينتهي ليفي إلى أن معاقبة المستوطنين دون مساءلة الدولة التي ترعى المشروع الاستيطاني تظل إجراءً محدود الأثر، لأن المستوطنات، وفق توصيفه، ليست كيانًا منفصلًا عن 'إسرائيل'، بل امتداد مباشر لسياساتها على الأرض الفلسطينية.

























































