اخبار سوريا
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦
يرى مراقبون أن فرص نجاح ما يُعرف بـ«الحركة الإبراهيمية» في سوريا تبدو محدودة، في ظلّ مجموعة من التحدّيات السياسية والاستراتيجية والشعبية التي قد تحول دون قدرتها على ترسيخ حضورها داخل البلاد. فلا يمكن فصل «المشروع الإبراهيمي» عن سياقات سياسية واستراتيجية أوسع تقودها أطراف إقليمية ودولية، فبين مناصرة القضيّة الفلسطينية لعقود طويلة، واحتلال إسرائيل أرضاً سورية، يجعل أيّ مشروع مرتبط بإسرائيل عرضةً للرفض والشكوك الشعبية.
نشر الإسرائيلي توم ويغنر بالتعاون مع السوري جمال الصبّاغ كتيّباً بعنوان «الصهيونية العربية». يقدّم كلاهما هذا الحوار باعتباره رصداً للحظة ضائعة في التاريخ، تعود إلى اتّفاق التعاون الموقّع بين الأمير فيصل أحد قادة الحركة القومية العربية، وحاييم وايزمان زعيم الحركة الصهيونية قبل مئة عام.
ويطرح الكتيّب تساؤلات جريئة: هل من الممكن ألّا تكون الصهيونية والعالم العربي عدوّين لدودين، بل جزءان من ذاكرة مشتركة منسيّة؟ هل يمكن لعربي أن يكون صهيونياً؟ هل القرآن والصهيونية متناقضان حقّاً، أم أن هناك رابطاً بينهما طمسته السياسة؟ وهل يمكن للتقاليد الإبراهيمية أن تولّد سرداً جديداً في المكان الذي فشلت فيه مائة عام من الدبلوماسية في إنهاء الصراع؟
يشترك كل من ويغنر والصبّاغ في انتمائهما لما يُعرف بـ«الحركة الإبراهيمية»، كما يُعدّ هذا الكتيّب نهجاً فكرياً تروّج على أساسه الحركة لنفسها في سوريا والعالم العربي.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل البيئة السورية مهيّأة لاستقبال مثل هذه الأفكار؟ أم أن الحركة تظلّ محاولة طموحة بمبادرة هواة في مجال القوّة الناعمة؟
ما هي الحركة الإبراهيمية؟
تُقدّم «الحركة الإبراهيمية» نفسها بوصفها نهجاً لبناء جسور التواصل بين الأديان والمجتمعات عابرةً للحدود، عبر شبكة عالمية متنامية تضمّ فروعاً محلّية؛ سعياً لجمع الأطياف حول رؤية مشتركة تعزّز التعاون والتفاهم المتبادل، معتمدةً في ذلك على الحوار الدولي ووسائل الإعلام والوفود الرسمية والمبادرات الشعبية.
وتعود جذور نشأة هذه الحركة إلى عام 2020، وتحديداً إلى توقيع اتّفاقيات التطبيع مع إسرائيل المعروفة بـ «اتّفاقات أبراهام»؛ إذ تجد الحركة في هذه الاتّفاقات مصدر إلهام، والخطوة الأولى لبداية الرحلة، والإطار السياسي الذي سيوجّه الشرق الأوسط نحو مسار جديد.
تُشير «الحركة الإبراهيمية» إلى كونها مشروعاً فكرياً ودينياً يدعم المسار السياسي للاتّفاقات، ويسعى إلى التقريب بين الديانات السماوية الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام؛ انطلاقاً من إيمان القائمين عليها بأن جميع أتباعها أبناء النبي إبراهيم، بالمعنيين المادّي والروحي. وتطرح هذه الحركة مفاهيم جوهرية، مثل «الأخوّة الإنسانية» و«حوار الأديان»، بهدف بناء أرضية مشتركة تُسهم في تعزيز السلام العالمي وتحجيم الصراعات الدينية.
كان يقود الحركة توم ويغنر، وهو كاتب إسرائيلي ومستشار سابق لقادة إسرائيليين، وتصفه الحركة بأنه الشريك المؤسّس ورئيسها التنفيذي، ويُعدّ كتابه «الثورة الإبراهيمية: صيغة سلام في الشرق الأوسط» البيان التأسيسي للحركة. وبحسب رؤيته، تسعى الحركة إلى «صياغة مستقبل جديد للشرق الأوسط من خلال تعزيز الهويّة الإبراهيمية المشتركة».
أما في ما يخصّ هيكليتها التنظيمية، فتقوم الحركة على مبدأ إنشاء فروع محلّية حول العالم؛ ويُعدّ كل فرع منصة محلّية للدفع برسالة الحركة، وتطوير مبادرات تُوحّد المجتمعات حول ما تصفه بـ«القيم الإبراهيمية المشتركة». وتعيّن الحركة في كل دولة تستهدفها رئيساً لفرعها، ومديرين لأقسامها، ومبعوثين إلى مختلف أطيافها ومكوّناتها الدينية.
ففي ظلّ الانقسام الداخلي في البيت السوري، وما يرافقه من تدخّلات ووصاية خارجية، معزّزة بموجات العنف ضدّ الأقلّيات، ومحاولة الحكومة الانتقالية التفرّد بالسلطة، باتت الساحة السورية في الآونة الأخيرة مسرحاً استراتيجياً يتّخذه هذا المشروع للترويج لنفسه.
تمدّدها إلى سوريا وعلاقتها بإسرائيل
تمّ الإعلان عن دخول «الحركة الإبراهيمية» إلى سوريا في الشهور الأولى من العام الجاري. وبالاطلاع على «الموقع الرسمي» لـلحركة، نجد أن هناك عدّة شخصيّات سورية، منها رئيس الحركة السابق في سوريا جمال الصبّاغ ومبعوثها الخاصّ إلى المجتمع العلوي مجد جبيلة المعيّن من قِبل مؤسّس الحركة توم ويغنر في 13 أيّار/ مايو الماضي.
كما تقوم الحركة بفرعها السوري عبر مديرها، بإصدار بيانات متكرّرة في تعيين شخصيّات في مناصب مختلفة أو عزلهم، مثل قرارات تعيين مديرين للحركة في الوسطين العلوي و السرياني، إضافة إلى تعيين مدير للجنة القانونية و مدير آخر للجنة الإعلامية.
وفي منتصف هذا العام، انتشرت أخبار عن نيّة الحركة استئجار مراكز لها في محافظة السويداء، وأعلن مؤسّس فرعها ومسؤولها في السويداء والمجتمع الدرزي نبيل سعيد، عبر منشور على منصّة فيسبوك، عن قرب دخولها إلى السويداء.
ومع تكاثر التساؤلات حول الحركة وعلاقتها بإسرائيل، عاد سعيد لينشر: 'الحركة الإبراهيمية العالمية ليست حزباً سياسياً، وليست مؤسّسة دينية، وليست مشروعاً لإنشاء دين جديد أو دمج الأديان في عقيدة واحدة. إنها حركة مدنية ذات توجّه دولي، تسعى إلى التقريب بين شعوب المنطقة وشعوب العالم… أمّا الحديث عن فرع الحركة الإبراهيمية العالمية في السويداء، فيجب أن يُقرأ في هذا الإطار: دعم التواصل المجتمعي، تمكين الشباب من خلال التشبيك وفتح قنوات التعاون …'.
ورغم محاولة الحركة بفرعها السوري، النأي بنفسها عن السياسة وتغيير صورتها كأداة قوّة ناعمة إسرائيلية، لا يمكن إغفال ميل شخصيّاتها ومبعوثيها إلى سوريا نحو إسرائيل. فإن مسؤولها في السويداء بالإضافة إلى كونه من حاملي الجنسية الإسرائيلية، بحسب منشوراته، من مناصري الحكومة الإسرائيلية وجيشها الذي يشنّ حرباً على أغلب دول المنطقة ويحتلّ أراضي في سوريا.
كما يشغل رئيسها السابق في سوريا جمال الصبّاغ، منصب رئيس ما يُعرف بـ«الحكومة السورية في المنفى»؛ وهي كما الصبّاغ في الوسط السياسي المعارض منذ الثورة السورية، تُعتبَر جهة غير معترف بها، تميل في توجّهاتها إلى مناصرة إسرائيل، وقد نشرت صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك سابقاً صوراً للصبّاغ بجانب العلم الإسرائيلي رافعاً علامة النصر.
وعلاوة على تعاونه مع ويغنر في تأليف كتاب «الصهيونية العربية»، فقد دأب الصبّاغ في الآونة الأخيرة على إصدار بيانات وتصريحات داعمة للصهيونية، سعياً منه للترويج لمفاهيم مثل «المسلم الصهيوني» عبر الصفحة الرسمية لـ'الحركة الإبراهيمية في سوريا'، وذلك قُبيل إغلاقها إبّان فترة إعداد هذا المقال، ثم عُزل الصبّاغ من منصبه كرئيس للحركة، وعُيّن سامي نوفل مديراً تنفيذياً (CEO) للحركة في سوريا.
وبحسب الحركة، يأتي الإغلاق نتيجة تعرّضها لهجوم سيبراني أدّى إلى تعطيلها مؤقّتاً، وأن التواصل ونشر بياناتها سيتمّ من الآن فصاعداً عبر منصّة «X». ثم جاء بيان من الحركة بأنها «جمّدت جميع أعمال وأنشطة الحركة في سوريا حالياً» والسبب «تدخّل من قِبل السيّد توم ويغنر من دون صفة قانونية معتبرة، مع عناصر تابعين للنظام السوري السابق في إصدار قرارات بتعيينات منفردة، لكونه يضرّ بمفهوم السلام المتبنّى من قِبل 'الحركة الإبراهيمية' في المنطقة والعالم».
هذا الهيكل التنظيمي مضافاً إلى سمات الأشخاص القائمين على قيادة الحركة، يجعل هذه المبادرات في رأي البعض، ما يتجاوز الجانب الديني نحو أبعاد سياسية واستراتيجية مرتبطة بإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، خصوصاً أنه بعد تعيين نوفل، أصدرت الحركة قرارات متتالية لتغيير هيكلها التنظيمي وتعيين أسماء جديدة في لجانها المتعدّدة.
تحليل قدرتها على التأثير
تطرح الحركة نفسها كإطار سياسي لا يستهدف التغيير العقائدي أو طرح «دين جديد»، إنما يسعى لإغلاق ملفّ الصراعات الأيديولوجية والطائفية. وتركّز بصفة خاصّة على التصدّي للحركات الإسلامية السياسية المتطرّفة، التي تعتبرها تهديداً حقيقياً لاستقرار المنطقة ومستقبل أجيالها.
كما ينظر إليها أنصارها كبيئة اجتماعية تتيح للأقلّيات السورية، التعبير عن نفسها أمام المجتمع الدولي كجزء أصيل من نسيج المنطقة التاريخي، بعيداً عن التجاذبات السياسية الإقليمية.




































































