اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
ثمة فرق دقيق بين الانتظار والصبر، قد لا يظهر للوهلة الأولى، لكنه يكشف عن اختلاف عميق في نظرة الإنسان إلى الحياة، وفي طبيعة علاقته بالأقدار. فكلاهما يرتبط بالزمن وما يحمله من أحداث لم تقع بعد، غير أن أحدهما قد يُبقي الإنسان أسير ما يرجوه، بينما يمنحه الآخر القدرة على الاطمئنان إلى ما يقدّره الله.
فالانتظار، في صورته النفسية، ينطلق غالبًا من التعلق بالنتيجة. ينظر الإنسان إلى ما لم يتحقق بعد، ويظل ذهنه مشغولًا بموعد حدوثه وصورته والكيفية التي ينبغي أن يأتي بها.
وكلما طال الزمن، ازدادت مساحة الترقب، وربما تحوّل الانتظار إلى حالة من القلق الداخلي؛ إذ تصبح سكينة النفس مرتبطة بتحقق أمر بعينه. وكأن الحياة لا تستطيع أن تستقيم قبل أن يأتي ذلك الذي تنتظره النفس.
أما الصبر، فله أفق آخر. إنه ليس مجرد احتمال للزمن أو تحمّل لتأخر المراد، بل هو انتقال في وعي الإنسان من الانشغال بالنتيجة إلى الثقة بمن بيده عواقب الأمور.
ولذلك يرتبط الصبر بالبصيرة؛ لأن صاحبه لا يحصر نظره في حدود اللحظة الراهنة، ولا يقيس الخير بما تكشفه له الظواهر وحدها، وإنما يستحضر أن وراء ما لا يدركه العقل تدبيرًا إلهيًا لا يحيط الإنسان بحكمته.
وهنا تتجلى دلالة اسم الله «البصير». فالإنسان يرى المشهد من زاوية محدودة، ويقرأ الأحداث وفق ما توفر لديه من معطيات، أما الله سبحانه فيعلم السر والعلن، ويرى بدايات الأمور ونهاياتها، وما تتصل به من حكم ومآلات.
ومن أدرك هذا المعنى لم يعد يتعامل مع الأقدار باعتبارها أحداثًا منفصلة عن الحكمة الإلهية، وإن عجز عن إدراك تلك الحكمة في حينها.
ولعل الفرق الأعمق بين الانتظار والصبر يكمن في علاقة الإرادة البشرية بالإرادة الإلهية. فالإنسان قد يريد أمرًا، ويسعى إليه، ويرسم في مخيلته الطريق الذي ينبغي أن يتحقق من خلاله. وليس في ذلك حرج؛ فالسعي من مقتضيات الاستخلاف، والأخذ بالأسباب من سنن الحياة.
لكن الإشكال يبدأ حين تتجاوز الرغبة حدودها، فتتحول من مقصد يسعى الإنسان إليه إلى شرط يعلّق عليه رضاه وسكينته. عندئذ يصبح أسيرًا لإرادته، ويضيق أفقه عن تقبّل ما قد يختاره الله له.
أما الصبر، فلا يلغي الإرادة ولا يعطّل السعي، وإنما يضع كليهما في موضعهما الصحيح: أن تريد دون أن تتعلق، وأن تسعى دون أن تغتر بقدرتك، وأن ترجُو دون أن تجعل رجاءك اعتراضًا على اختلاف التدبير. إنه أن تبذل ما تستطيع، ثم تترك ما لا تستطيع لمن أحاط بكل شيء علمًا.
ومن هنا كان الصبر متصلًا بمعنى الرضا والتسليم، لا بمعنى الاستسلام السلبي أو الانسحاب من الحياة. فالصابر ليس إنسانًا فقد رغبته في الأشياء، ولا شخصًا لم يعد يتألم لفواتها، وإنما هو إنسان لم يسمح لرغبته أن تحجبه عن ربه، ولا لخسارته أن تسلبه ثقته بحكمته. قد يحزن، وقد يتألم، وقد يطول به الطريق، لكنه لا يجعل من تأخر الإجابة دليلًا على غياب العناية، ولا من انغلاق باب حكمًا نهائيًا على مستقبله.
ولعل هذا ما يمنح الصبر قيمته الروحية الكبرى؛ فهو يحرر الإنسان من عبودية النتائج، ويعيد ترتيب علاقته بالأسباب والأقدار. فلا يعود الخير محصورًا فيما اختاره لنفسه، ولا تصبح الطمأنينة مرهونة بتحقق ما رسمه في خياله. إنه يتعلم أن الحكمة قد تكون في المنع كما تكون في العطاء، وفي التأخير كما تكون في التعجيل، وأن ما لا يفهمه اليوم قد تتكشف له دلالته غدًا، وقد لا تتكشف له أبدًا، ومع ذلك لا تنقطع ثقته بالله.
إن الانتظار قد يستهلك العمر في مراقبة ما لم يأتِ، أما الصبر فيمنح العمر معنى حتى قبل أن يأتي المراد. الأول قد يجعل الإنسان معلقًا بالمستقبل، والثاني يعيده إلى مسؤولية الحاضر، وإلى الطمأنينة في صحبة الله.
ولذلك فإن بلوغ مقام الصبر ليس أن تتوقف عن انتظار ما تحب، بل أن تتوقف عن جعل سعادتك رهينة له. أن يبقى لك مقصد تسعى إليه، وأمل تدعو به، لكن يبقى قلبك مطمئنًا إلى أن تدبير الله أوسع من تصورك، وأن عاقبة الأمر ليست ملكًا لتقديرك المحدود.

























































