اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
خاص - شهاب
لم تكن الدكتورة ياسمين خميس البوبو مجرد اسم جديد يُضاف إلى قوائم ضحايا الإبادة الجماعية المتواصلة في قطاع غزة، وإنما قصّة ملهمة لإنسانية نبيلة، وطموح أكاديمي لا يعترف بالحدود، وبرّ نادر بوالدتها الثمانينية أثمر حبّاً وشوقاً تجسّدا حتى لحظتهما الأخيرة معاً تحت الركام.
ففي فجر هادئ غرب مدينة غزة، تحول طابق أرضي في عمارة 'الأصالة' بـ حي الرمال إلى كتلة من الركام والرماد إثر غارة 'إسرائيلية' استهدفت آمنين نياماً.
صواريخ الاحتلال لم تفرق بين طموح شابة أكاديمية، وشيبة أمها الثمانينية، وجاراتهن المسيحيات اللواتي شاركنهن المكان والمصير، لترتقي ياسمين برفقة والدتها الحاجة حلوم، والمواطنتين المسيحيتين ميساء خضر أبو داوود وابنتها ماري، والشاب بلال عودة، في مجزرة اختلطت فيها الدماء وتجلت فيها أبهى صور التعايش والمواطنة.
برٌّ أوقف الزمان
في كواليس حياة ياسمين، تتجلى صورة لم يعلم عنها الكثيرون سوى المقربين منها؛ شابة أكاديمية آثرت ألّا تتزوج بعد وفاة والدها، مكرسةً كل حياتها ووقتها ورعايتها لوالدتها الثمانينية لتكون لها السند والمعين.
عن هذا البرّ الإنساني، كتب زميلها ثائر أبو وردة ناعياً إياها بكلمات مؤثرة تفطر القلوب: 'الشهيدة الدكتورة أختي وزميلتي ياسمين البوبو.. لم تتزوج بعد وفاة والدها حتى تعين والدتها.. فشاء الله أن تستشهد هي ووالدتها.. هذا شيء كوني يدبره الله أعظم منا ومن آلامنا لازلنا لم نحط به خبراً.. ولا نفهمه..'.
وجع الشقيق
وعقب التشييع، وقف شقيق ياسمين بكلمات تحبس الأنفاس وتقطر ألمًا وذهولاً أمام جثامين عائلته، محاولاً استيعاب حجم الفاجعة التي ألمّت بأمه وأخته: 'عمرها 85 سنة.. 85 سنة.. امرأة لا حول لها ولا قوة، إنسانة.. يعني إنسانة، حاجة وقورة بالصلاة والصوم والعبادة، فقط لا غير، لا بتجيب سيرة الناس، ولا بتحكي على حدا، ولا بتأذي حدا، ولا أبداً.. أختي دكتورة فاضلة بتدرّس في جامعة فلسطين، إنسانة أكاديمية، متعلمة.. لا إنا في تنظيمات، ولا إنا في أحزاب.. وفي النهاية جاءت آلات الغدر الصهيونية وطالتهم وهم نائمين في سكون الليل.. في سكون الليل وهم نائمين أصبحوا أشلاء'.
ويضيف بأسى اختصر المأساة والإيمان بالمصير المشترك بين أبناء غزة: 'وجنبهم اثنتين نساء مسيحيات، يعني الطابق كله اللي ساكنين فيه، اللي بيعيشوا فيه.. أمي، وأختي، وجاراتها اثنتين من الدين المسيحي.. يعني هذا العدوان لا خلّى مسيحي، ولا خلّى مسلم، وحتى لو عندنا يهود فلسطينيين ليقصفوهم.. لأنه هذا العدوان ملوش مذهب ولا دين، ولا له دين إلا.. إلا لغة الدمار'.
رصيد علمي وطموح بلا حدود
ولم تكن 'ياسمين' مجرد ابنة بارة، حيث كانت قامة أكاديمية يشار إليها بالبنان في جامعة فلسطين بغزة؛ إذ عملت محاضرة في قسم الوسائط المتعددة بكلية الدراسات المتوسطة، وشغلت سابقاً رئاسة القسم، إضافة إلى توليتها منصب نائب عميد الإدارة.
وجسّدت سيرتها الذاتية نموذجاً للشغف العلمي والتطوير المستمر؛ إذ حصلت على بكالوريوس في أنظمة المعلومات الحاسوبية الإدارية من جامعة القدس المفتوحة، ونالت ثلاث درجات ماجستير في 'الإدارة ونظم المعلومات'، و'علوم الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات'، و'التنمية المستدامة'. وقدمت أطروحة ماجستير تناولت 'الصورة الذهنية للجامعات الفلسطينية لدى الطلبة'، وكانت تواصل مسيرتها البحثية كطالبة دكتوراه في علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي.
نعي وحزن واسع
وفي نعي يعكس مدى إخلاصها ورسالتها السامية، نشر عميد كلية تكنولوجيا المعلومات بجامعة فلسطين، الدكتور علاء الدين حسين، لقطات من محادثته الأخيرة معها قبل استشهادها بساعات، والتي كانت تناقش فيها شؤون العمل وواجباتها الأكاديمية تجاه طلبة الجامعة رغم ظروف الحرب القاسية، مؤكداً أنها كانت مثالاً للزميلة المخلصة الحريصة على مبادرتها وإنجازها تحت أي ظرف.
أما صديقتها ديما السقا، فنشرت رسالة وداع أبكت المتابعين عبر منصات التواصل، مسترجعة صوت ياسمين وحنانها معها، وقالت: 'مين بدو يبعتلي ويطمن عليّ دايماً ويدعمني يا حبيبتي؟ كيف بدي أنسى صوتك ودلعك لي أول ما أبدأ المكالمة معك؟ مين بدي أستشير بشغلي وينصحني ويساعدني؟'.
وتكمل ديما وهي تتذكر حديثاً نبوئياً جمعها بها مؤخراً: 'لسه من فترة بتحكيلي: 'تعبنا يا ديما متى بدنا نرتاح؟ الحياة بهدلتنا'.. عمرك ما قصرتي معي في الجامعة وبعد الجامعة، طول عمرك سند لنفسك ولأهلك ولنا'.
قتلوا العقول والنساء
وشهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة غضب وحزن عارمة من صحفيين وأكاديميين ونشطاء حقوقيين، ناعين الأكاديمية الراحلة ومنددين بالاستهداف الممنهج للعقول والمدنيين.
الصحفي تامر المسحال: كتب ناعياً: 'الأكاديمية الفلسطينية في جامعة فلسطين ياسمين خميس البوبو شهيدة على أرض غزة في مجزرة متجددة'.
ورئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان رامي عبده: نشر صورتها مبيناً أن الاحتلال يستهدف القامات والرموز الأكاديمية والتعليمية بشكل مباشر.
والصحفي أحمد منصور: علّق عبر منصة (X) قائلاً: 'قتلوا آمنين نياماً في بيوتهم.. الحرب لم تتوقف، ودمنا سيبقى شاهداً على من سفكه ومن خذله ومن اختار الصمت'.
والناشط علي أبو رزق: أشار إلى البعد الإنساني والوطني للمجزرة قائلاً: 'مقتلة رهيبة بحق نساء غزة.. قتلت الصواريخ أمّاً مسيحية وابنتها، وأكاديمية مرموقة ووالدتها.. هذه مجزرة يجب أن تُدان في كل الشوارع والمحافل، لتصان حرمة الدم الفلسطيني'.
مقتلة رهيبة بحق نساء غزة هذه الليلة،
قتلت الصواريخ الأمريكية الإسرائيلية أمًّا مسيحية اسمها ميساء أبو داوود كما قتلت ابنتها ماريا،
وقتلت الصواريخ الأمريكية الإسرائيلية أيضا أكاديمية فلسطينية مرموقة اسمها ياسمين البوبو، وقتلت والدتها الحاجة حليمة البوبو،
هذه المجزرة الرهيبة بحق…
فيما الأكاديمي إياد القرا: نوه إلى أن الضحايا 'لم يكونوا مجرد أرقام، بل كانوا أسرًا وحكايات وحياة كاملة انتهت بصواريخ غادرة'.
وتركت ياسمين البوبو خلفها سيرة عطرة بين أروقة الجامعة وفي قلوب طلابها وزملائها، لتنضم إلى نحو 194 أكاديمياً وباحثاً ارتقوا منذ بدء الحرب على غزة، مؤكدة بدمائها ودماء والدتها وجاراتها أن الاستهداف لم يميّز يوماً بين فكرٍ ودين، وأن غزة تودع كل يوم قصة حب وعطاء أطفأتها الصواريخ لكنها ستظل حية في ذاكرة الوطن.

























































