اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ١٦ أذار ٢٠٢٦
كتب جاسم عجاقة في 'الديار':
يُعاني لبنان من خطر الركود التضخّمي، بسبب الحرب الأميركية – الإيرانية والحرب «الإسرائيلية» – اللبنانية اللتين تُقوّضان المُحاولات الحكومية، للخروج من الأزمة الإقتصادية الكارثية التي يعيش فيها لبنان.
فقد وصل دخان الحرب التي بدأت في الخليج العربي إلى لبنان، مما ألقى بثقلٍ مالي وإقتصادي هائل، تصعب معه قدرات الدولة المالية على الصمود لأكثر من عدّة أشهر. في هذا المقال، نستعرض التداعيات الإقتصادية على لبنان في ظل سيناريو حرب مفتوحة.
نهاية وهم الإستقرار
قبل بدء الحرب بأسابيع قليلة، كان الجو العام في لبنان تفاؤليا إلى حدٍ ما، حيث قامت الحكومة بوضع موازنة طموحة مع عجز صفر، بالإضافة إلى إستقرار في أسعار النفط العالمية، بالتوازي مع إستقرار نقدي منذ العام 2023. وكان من المتوقّع أن ينمو الإقتصاد اللبناني هذا العام بنسبة 4% ، بحسب توقّعات البنك الدولي.
إلا أنه ومع بداية الحرب وإرتفاع أسعار النفط وإرتفاع علاوات المخاطر، ووصول سعر برميل النفط إلى مستويات 120 دولارا أميركيا، قبل أن يستقر بحدود المئة دولار، تبخّرت هذه التوقّعات وضُرب الاقتصاد اللبناني من عدّة جوانب، أوّلها التضخّم الذي إرتفع خلال الحرب من 15 إلى 20 بالمئة، وضُربت السياحة التي تُدخل العملة الصعبة، وتراجعت تحاويل المُغتربين بنسبة 5%، وتراجع التصدير مع إرتفاع الكلفة، بالتوازي مع إرتفاع كلفة الإستيراد وزيادة الإنفاق الحكومي لتغطية كلفة النزوح، وتوقّعات بتراجع التحصيل الضريبي.
كل هذا يدفع إلى توقّعات بتراجع النمو الإقتصادي إلى أكثر من 7% هذا العام نسبةً إلى العام الماضي.
إستنزاف الاحتياطيات
تُشير المُحاكاة للأوضاع الإقتصادية بإستخدام نماذج إقتصادية، إلى أنه وفي ظل إستمرار سيناريو الحرب، فإن الصورة قاتمة جدا. ولعل الأخطر في هذه المُحاكاة، هو التراجع المُتوقّع في إحتياطات مصرف لبنان، والتي تُعتبر السد المنيع الأخير أمام الإنهيار الكلّي، خصوصا مع إستيراد يوازي المليار ومئة وخمسين مليون دولار أميركيّ شهريا، مما يعني أن الإحتياطات تكفي لعشرة أشهر كحدٍ أقصى. إلا أن هناك عتبة 9.5 مليار دولار أميركي عند تجاوزها، سيكون من الصعب على مصرف لبنان الدفاع عن الليرة اللبنانية، وستبدأ حلقة مفرغة من إنخفاض قيمة العملة من جديد (أنظر إلى الرسم البياني المُرفق).
الحسابات لا ترحم! فلبنان وفي ظلّ إستمرار الحرب، على وشك بلوغ عتبة إحتياطياته الحرجة البالغة 9.5 مليار دولار بحلول حزيران المقبل. وبمجرد تجاوز هذا الحد، سيفقد مصرف لبنان السلاح اللازم للدفاع عن الليرة اللبنانية، مما سيؤدي إلى دورة جديدة وعنيفة من خفض قيمة العملة وإرتفاع الأسعار.
البنزين والخبز
هذه الأرقام الاقتصادية الكلية المجردة، تعكس حقيقةً مُرعبةً للمواطن اللبناني العادي، ألا وهي أسعار البنزين والخبز. فإرتفاع أسعار الطاقة العالمية، بالتزامن مع خطر إنهيار العملة المحلية، يُشكل حلقةً مُفرغةً من إرتفاع الأسعار. وتشير التوقعات بشأن سوق المحروقات إلى أن سعر صفيحة البنزين، الذي كان يُباع بنحو 1.5 مليون ليرة لبنانية في بداية آذار، قد يرتفع في ظل سيناريو الحرب المفتوحة إلى مستويات كبيرة جدا في آب المقبل. وهو ما سيؤدّي إلى رفع التضخّم أكثر ، ويجعل معظم اليد العاملة عاجزةً عن تحمل تكاليف النقل، وبالتالي شلل المؤسسات العامة والإقتصاد. والأهم من ذلك، سعر الخبز. فلبنان، كونه مُستوردا صافيا للقمح، مُعرّضٌ لارتفاع أسعار الحبوب العالمية وأسعار التأمين. ومن المُتوقع أن ترتفع سعر ربطة الخبز بنسبة كبيرة لن يكون بقدرة المواطن تحمّلها، وهو ما سينعكس على الواقع الإجتماعي.
الضغط الثلاثي
السيناريو الآنف الذكر، يُشكّل كارثة على لبنان، وهو من أسوأ أنواع عدم الإستقرار الاقتصادي، الذي يأتي في أسوأ ظرف سياسي وأمني. فالضغط الثلاثي (المُتمثّل بشلل النقل، ونقص في الغذاء، وركود الإصلاح)، معطوفا على إرتفاع أسعار الطاقة، والإختناقات اللوجستية، وإنهيار القدرة الشرائية، تُجبر الحكومة على الدخول في حالة إدارة أزمات دائمة:
– شلل النقل: بحلول حزيران لن يتمكن العديد من موظّفي القطاع العام، (الموظفون وقوى عسكرية وأمنية) من تحمّل كلفة النقل، وهو ما سيؤدّي إلى شلل تام، مع ما قد يواكب غياب القوى العسكرية والأمنية عن الساحة من أعمال شغب وتخريب.
– نقص في الغذاء: إنّ سعر ربطة الخبز ليس مجرد رقم إقتصادي، فإرتفاعه هو مؤشّر لإرتفاع الإضطرابات المدنية والإحتجاجات الشعبية، بحكم أن أكثر من نصف السعيرات الحرارية التي يحتاجها المواطن اللبناني تأتي من الخبز.
– ركود الإصلاح: تُعدّ إعادة هيكلة القطاع المصرفي من بين الإصلاحات الجوهرية ، التي يُطالب بها صندوق النقد الدولي. إلا أن الأحداث التي تعصف بلبنان، دفعت إلى تأجيل هذه الإصلاحات، وأصبحت الحكومة بحكم الأمر الواقع (de facto) ، تعمل على تأمين إمدادات طارئة من الحبوب والوقود والأدوية.
إستمرار هذا الواقع، سيؤدّي إلى إستنزاف الإحتياطات في المرحلة الأولى قبل أن تبدأ مرحلة إنخفاض الإستيراد إلى مستويات، قد تكون خطيرة على الصعيد الاجتماعي!
إحتياط الذهب؟
الشيء الإيجابي في ميزانية مصرف لبنان هو الذهب، الذي بلغت قيمته حوالي 47.75 مليار دولار، حيث دفع إزدهار الطلب العالمي على الملاذ الآمن سعر الذهب إلى أعلى مستوى له تاريخيا. وإذا كان هذا المخزون هو عنصر إيجابي على الورق، إلا أنه عمليا غير قابل للإستخدام بسبب عوامل داخلية وخارجية. فداخليا، هناك عدم توافق بين القوى السياسية على كيفية إستخدام الذهب، وهو ما يجعل من تعديل القانون الذي يمنع إستخدامه أمرا مُستحيلا. أمّا خارجيا فهناك «فيتو» واضح على لبنان لمنعه من إستخدام هذه الثروة الهائلة، بهدف الضغط عليه للقيام بخطوات سياسية وأخرى إصلاحية، يعتبرها الغرب والعرب أمرا أساسيا، قبل المسّ بهذا الذهب أو بالثروة الغازية القابعة في البحر مُقابل الشواطئ اللبنانية.
المنطقة الحمراء
مع قرب فصل الربيع، سيدخل لبنان «حكما» في منطقة حمراء من عدم الإستقرار. سيناريو التصعيد في المواجهة الأميركية – الإيرانية، و»الإسرائيلية» – اللبنانية خلال الصيف، سيزيد من إحتمالات إعادة هيكلة الاقتصاد اللبناني بالكامل نحو إقتصاد البقاء، الذي يعتمد بشكل كبير على المقايضة (!)، والدولار الأميركي، والمساعدات الغذائية الخارجية.
لم تكن المرحلة التي تلت الإنهيار الاقتصادي في العام 2019 مرحلة إستقرار. ولم تأخذ موازنة عام 2026 بعين الإعتبار ما يحصل حاليا، بل بُنيت على أساس أن المنطقة ستبقى هادئة ، وأن التحويلات المالية مُستمرّة على نفس الوتيرة. هذه الركائز تتهاوى في ظل الحرب الإقليمية والحرب على لبنان. وبالتالي ستكون الأشهر القليلة المقبلة بمثابة إختبار للإيمان، لا للسياسة الاقتصادية بالنسبة للبنانيين.











































































