اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢٩ أذار ٢٠٢٦
في الأصل، وظيفة السفير واضحة وبسيطة: تمثيل بلاده، إدارة العلاقات، والدفاع عن المصالح ضمن قواعد دبلوماسية معروفة. لكن الواقع ليس دائمًا بهذه البساطة. في بعض الحالات، يتحوّل السفير من دبلوماسي إلى لاعب مباشر في توازنات الداخل، يتجاوز دوره التقليدي ليصبح جزءًا من لعبة النفوذ داخل الدولة المضيفة. وهنا تحديدًا يظهر الفرق الكبير بين النموذج الإيراني والنموذج الأميركي.
في أكثر من ساحة، لا يُنظر إلى السفير الإيراني كشخص يعمل فقط خلف مكتب أو ضمن لقاءات رسمية، بل كجزء من منظومة أوسع مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني أو على تنسيق وثيق معه، وغالبًا ما تكون خلفيته أمنية أو عسكرية، وهذا ليس تفصيلًا بل جزء من طبيعة الدور نفسه. فالدور لا يقف عند حدود العلاقات الرسمية، بل يمتد إلى التأثير المباشر في الداخل من خلال دعم مجموعات مسلحة، وبناء شبكات نفوذ، والتدخل في مسارات سياسية حساسة، بهدف ترجيح كفة حلفاء محددين وخلق واقع موازٍ للدولة عند الحاجة. في لبنان مثلًا، العلاقة مع حزب الله تتجاوز أي إطار دبلوماسي تقليدي لتصل إلى دعم عسكري وسياسي مباشر، وفي العراق لعبت طهران دورًا محوريًا في دعم تشكيلات مثل الحشد الشعبي مع حضور يتخطى حدود السفارة إلى التأثير الميداني، بينما يتكرر النموذج نفسه في اليمن عبر دعم الحوثيين كجزء من استراتيجية تعتمد على الوكلاء.
في المقابل، يعمل السفير الأميركي ضمن منظومة مختلفة تمامًا، إذ هو جزء من جهاز دبلوماسي مؤسساتي تقوده وزارة الخارجية الأميركية، حيث تمر كل التحركات عبر قنوات رسمية وتخضع لرقابة سياسية وقانونية واضحة. دوره ينسجم مع التعريف الكلاسيكي للدبلوماسية: تمثيل الدولة، إدارة العلاقات، ودعم المؤسسات الرسمية في البلد المضيف، من دون إنشاء قوى موازية أو إدارة مجموعات مسلحة خارج إطار الدولة. حتى المساعدات، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية، تُقدَّم عبر الحكومات الشرعية وليس عبر ميليشيات أو أطراف غير رسمية. في لبنان مثلًا، يمر الدعم الأميركي عبر الجيش اللبناني كمؤسسة رسمية، وفي العراق كان التركيز على دعم الحكومة المركزية والجيش النظامي رغم تعقيدات المشهد، بينما في أوروبا وآسيا يتركّز الدور على الاقتصاد والشراكات والتحالفات ضمن أطر واضحة.
الفارق الجوهري هنا ليس تفصيليًا بل بنيوي: إما دبلوماسية قائمة على الدولة ومؤسساتها، أو نفوذ قائم على الشبكات الموازية والسلاح. هذا الفرق ينعكس مباشرة على الدول المضيفة، حيث يؤدي النموذج الأول إلى إضعاف مؤسسات الدولة وخلق ازدواجية في القرار، فيما يحافظ النموذج الثاني، رغم كل ما يُقال عنه سياسيًا، على مركزية الدولة كمرجعية وحيدة.
ومن هذا المنطلق، يبرز طرح حساس وخطير في آنٍ واحد: عندما يتحوّل من يُفترض أنهم دبلوماسيون إلى قيادات فاعلة ضمن منظومة عسكرية مصنّفة كتنظيم إرهابي، وعندما يمارسون أدوارًا ميدانية تتعلق بتسليح مجموعات وإدارة عمليات داخل أراضي دول أخرى، فإن صفتهم الدبلوماسية تصبح موضع شك جوهري. فالدبلوماسية، في تعريفها، تقوم على الحصانة مقابل الالتزام بالقانون الدولي وعدم التدخل العسكري، وعندما يتم خرق هذا الأساس، تُطرح تساؤلات جدية حول طبيعة هذه الحصانة وحدودها، وحول ما إذا كان من يستغل الغطاء الدبلوماسي لقيادة أنشطة عسكرية أو أمنية يمكن اعتباره دبلوماسيًا بالمعنى الفعلي، أم طرفًا منخرطًا في صراع يتجاوز العمل الدبلوماسي التقليدي، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات على الأرض وفي حسابات الدول.











































































