اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ١٠ أيلول ٢٠٢٦
مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول المقبل، تتجه حسابات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى ما هو أبعد من محاولة الحفاظ على ائتلافه اليميني الحالي، وسط تقديرات متزايدة بأنه يستعد لخيارات سياسية قد تشمل تشكيل حكومة أوسع وضم شخصيات من المعسكر المقابل، حتى لو أدى ذلك إلى إبعاد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير عن الائتلاف المقبل.
وتتزايد هذه التقديرات داخل محيط بن غفير، الذي يرى مقربون منه أن نتنياهو بدأ يترك لنفسه مساحة للمناورة تحسبًا لنتائج انتخابية لا تمنح معسكر اليمين أغلبية مريحة، خصوصًا أن استطلاعات الرأي الأخيرة تظهر استمرار حالة الجمود السياسي وصعوبة وصول أي من المعسكرين إلى عتبة الـ61 مقعدًا اللازمة لتشكيل الحكومة.
'حكومة وطنية واسعة'
وكان نتنياهو قد أعلن خلال الأشهر الماضية أنه يسعى إلى تشكيل 'حكومة وطنية واسعة'، وهو خطاب يختلف عن اللغة التي اعتمدها في الانتخابات السابقة حين ركز على تشكيل 'حكومة يمين كاملة'، الأمر الذي دفع خصومه وشركاءه في اليمين على حد سواء إلى التساؤل عما إذا كان رئيس الحكومة يهيئ الأرضية السياسية لتحالف مختلف بعد الانتخابات.
وفي يونيو/حزيران الماضي، قال نتنياهو صراحة إنه يريد توسيع 'المعسكر الوطني'، وإنه لا يستبعد شخصيات من خارج ائتلافه الحالي، معتبرًا أن أمام 'إسرائيل' مهمات وطنية تستدعي الوصول إلى تفاهمات أوسع، فيما طرح الانتخابات المقبلة باعتبارها خيارًا بين حكومة وطنية واسعة بقيادته وحكومة وصفها بأنها 'يسارية' بقيادة غادي آيزنكوت.
وتكتسب تصريحات نتنياهو أهمية خاصة في ظل صعود رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، الذي أصبح خلال الأشهر الأخيرة أحد أبرز منافسي نتنياهو، بعدما تمكن حزبه من تسجيل نتائج متقدمة في عدد من استطلاعات الرأي، فيما يواجه الليكود خطر فقدان جزء من قوته البرلمانية مقارنة بالانتخابات السابقة.
وفي هذا السياق، لا ينظر مقربو بن غفير إلى حديث نتنياهو عن 'حكومة وطنية واسعة' باعتباره مجرد شعار انتخابي، بل يربطونه بإمكانية تشكيل ائتلاف يضم طرفًا من المعسكر المقابل، وربما آيزنكوت نفسه، إذا لم يتمكن معسكر اليمين من الحصول على الأغلبية المطلوبة.
وتعزز هذا الاحتمال تقارير إسرائيلية تحدثت في أغسطس/آب الماضي عن بحث أوساط داخل الليكود سيناريو حكومة تناوب بين نتنياهو وآيزنكوت في حال فشل أي من المعسكرين في الحصول على 61 مقعدًا، باعتبار أن حكومة واسعة قد تصبح أحد المخارج من حالة الجمود السياسي بعد الانتخابات.
وفي المقابل، يرفض بن غفير قراءة نتنياهو لهذه المعادلة بالطريقة نفسها، إذ اتهمه بصورة مباشرة بأنه يريد إضعاف حزب 'عوتسما يهوديت' تمهيدًا لإمكانية تشكيل حكومة مع آيزنكوت. وجاء ذلك بعدما ضغط نتنياهو على بن غفير وبتسلئيل سموتريتش لخوض الانتخابات بقائمة موحدة، محذرًا من أن انقسام أصوات اليمين قد يؤدي إلى خسارة معسكره للانتخابات.
وقال بن غفير إن ربط حزبه بسموتريتش قد يؤدي، وفق تقديره، إلى خسارة جزء من أصوات مؤيديه، وإن النتيجة ستكون إضعاف اليمين بدل تقويته، مؤكدًا أنه سيعمل لمنع تشكيل حكومة بقيادة آيزنكوت. وفي المقابل، رد نتنياهو بأن توحيد القوائم اليمينية من شأنه تعزيز قوة المعسكر ومنع ضياع الأصوات بسبب نسبة الحسم.
وتكشف هذه المواجهة جانبًا أساسيًا من الحسابات الانتخابية لنتنياهو؛ فهو من جهة يحتاج إلى بن غفير وسموتريتش لضمان بقاء اليمين داخل دائرة المنافسة، ومن جهة أخرى يحاول منع تشتت الأصوات اليمينية وخسارة مقاعد يمكن أن تكون حاسمة في تحديد هوية الحكومة المقبلة.
ويأتي ذلك في وقت تشير فيه استطلاعات الرأي إلى أن حزب نتنياهو قد يبقى الحزب الأكبر أو قريبًا من الصدارة، لكنه لن يكون قادرًا بمفرده على تشكيل حكومة، بينما يواصل آيزنكوت توسيع حضوره باعتباره منافسًا قادرًا على جذب أصوات من الوسط واليمين، وهو ما يجعل معركة تشكيل الائتلاف أكثر أهمية من مجرد عدد المقاعد التي يحصل عليها كل حزب.
ولا تبدو فكرة توسيع الحكومة جديدة على نتنياهو؛ فقد سبق له أن شكل حكومات ضمت قوى من خارج معسكر اليمين، ففي عام 2009 أدخل حزب العمل بزعامة إيهود باراك إلى ائتلافه، فيما لجأ في عام 2020 إلى حكومة تناوب واسعة مع بيني غانتس، في تجربة أظهرت أن نتنياهو قادر على الانتقال من حكومة يمينية إلى ائتلاف أوسع عندما تفرض الحسابات السياسية ذلك.
المعسكر المقابل
لكن الفارق هذه المرة أن الحديث عن حكومة واسعة يأتي بينما يقف بن غفير داخل الحكومة الحالية في موقع سياسي متقدم، ويخوض حملة انتخابية تقوم على مواقف أكثر تشددًا تجاه غزة والفلسطينيين، الأمر الذي يجعل أي محاولة لإبعاده عن الحكومة المقبلة بمثابة إعادة ترتيب واضحة لموازين القوى داخل اليمين الإسرائيلي.
وقد صعّد بن غفير بالفعل خطابه الانتخابي خلال الأسابيع الأخيرة، وطرح خطة لإخراج الفلسطينيين من قطاع غزة تحت مسمى 'الهجرة الطوعية'، فيما دعا إلى إنشاء وزارة تتولى هذا الملف، في مواقف تعكس توجهه إلى مخاطبة القاعدة اليمينية الأكثر تطرفًا قبيل الانتخابات.
وفي المقابل، يحاول نتنياهو الحفاظ على صورة أكثر مرونة تجاه مكونات المشهد السياسي الإسرائيلي، من دون التخلي عن مواقفه الأساسية، إذ يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره الشخصية القادرة على جمع أطراف سياسية مختلفة تحت عنوان 'حكومة وطنية واسعة'، وهي صيغة قد تساعده على استقطاب أصوات من الوسط واليمين المعتدل، خصوصًا في مواجهة آيزنكوت.
ويرى مقربون من بن غفير أن هذه المناورة قد تكون مرتبطة أيضًا بملفات داخلية مثل القضاء، إذ إن تشكيل حكومة تضم قوى من الوسط أو المعارضة قد يفرض على نتنياهو تقديم تنازلات بشأن ما يسمى 'الإصلاح القضائي'، ويحد من قدرة الأحزاب اليمينية المتشددة على دفع أجندتها كما حدث في الحكومة الحالية.
لكن حكومة أوسع قد لا تكون بالضرورة أكثر استقرارًا؛ فإدخال آيزنكوت أو أي شخصية من المعسكر المقابل سيعني وجود فجوات سياسية وأيديولوجية واسعة داخل الائتلاف، خصوصًا في ملفات الحرب والقضاء والدولة الفلسطينية والعلاقة مع المؤسسة العسكرية، وهو ما قد يجعل عمر الحكومة الجديدة مرتبطًا بقدرة نتنياهو على إدارة هذه التناقضات.
ومن هنا، فإن حسابات نتنياهو بعد الانتخابات ستتوقف على حجم معسكر اليمين أولًا؛ فإذا حصل اليمين على 61 مقعدًا أو أكثر، سيكون من الصعب عليه تبرير استبعاد بن غفير، خصوصًا إذا حافظ 'عوتسما يهوديت' على تمثيله البرلماني، لأن إبعاده في هذه الحالة قد يعني التخلي عن ائتلاف يميني جاهز مقابل شراكة أكثر تعقيدًا مع المعسكر المقابل.
أما إذا فشل معسكر نتنياهو في الوصول إلى الأغلبية، حتى مع بن غفير، فستتسع مساحة المناورة أمام رئيس الحكومة، وقد يصبح استدعاء طرف من الوسط أو المعارضة خيارًا مطروحًا لتجنب انتخابات جديدة، خصوصًا إذا جاءت النتائج من دون أغلبية واضحة لأي معسكر.
وهنا تبرز أهمية آيزنكوت؛ فدخوله إلى حكومة برئاسة نتنياهو، سواء من خلال ائتلاف واسع أو صيغة تناوب، سيكون تحولًا سياسيًا كبيرًا، لكنه في الوقت نفسه سيمنح نتنياهو مخرجًا من الاعتماد الكامل على الأحزاب اليمينية المتشددة، بينما قد يجد بن غفير نفسه للمرة الأولى في موقع المعارضة من يمين نتنياهو.
خصم انتخابي
وفي هذه الحالة، يمكن أن يتحول بن غفير من شريك حكومي إلى خصم انتخابي دائم لنتنياهو، مستفيدًا من قدرته على اتهام رئيس الحكومة بالتراجع عن وعوده اليمينية والذهاب نحو حكومة أكثر اعتدالًا، وهو ما قد يدفع نتنياهو إلى إبقاء الباب مفتوحًا أمام عودته إذا انسحب أحد شركائه الجدد أو انهارت التفاهمات مع المعسكر المقابل.
لذلك، فإن الصراع الحالي بين نتنياهو وبن غفير لا يدور فقط حول توحيد قوائم اليمين في الانتخابات، بل حول شكل الحكومة التي يريد كل طرف أن يراها بعد السابع والعشرين من أكتوبر؛ فنتنياهو يريد الاحتفاظ بأكبر هامش ممكن للتحالفات، بينما يصر بن غفير على حكومة يمينية خالصة ويرى في أي شراكة مع آيزنكوت تهديدًا لمشروع اليمين.
وبينما يحاول نتنياهو توحيد اليمين لمنع خسارة أصواته، يبدو أنه في الوقت نفسه يترك الباب مفتوحًا أمام خيار آخر إذا لم تمنحه صناديق الاقتراع أغلبية مريحة، لتصبح معركة الانتخابات المقبلة معركة على أكثر من رئاسة الحكومة: هل يعود نتنياهو إلى حكومة يمين يقودها مع بن غفير، أم يستخدم نتائج الانتخابات لإعادة تشكيل ائتلاف واسع يضع حلفاءه الأكثر تطرفًا خارج الحكومة؟

























































