اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ١٠ نيسان ٢٠٢٦
كتب ناصر قنديل في البناء
أظهرت حرب الأربعين يوماً حجم الدور الذي لعبته المقاومة في لبنان بإعادة رسم المعادلات مع الاحتلال بصورة فاقت كل التوقعات وفاجأت العدو والصديق، كما أظهرت أن هذا الأداء المبهر لعب أحياناً دوراً موازياً لدور الأداء الإيراني العسكري في استنزاف كيان الاحتلال وإظهار نقاط ضعفه وحرمانه من صورة الانتصار في الحرب، بينما كان هذا الأداء على المستوى الوطني اللبناني عاملاً حاسماً في لجم الاندفاعة التي خطط لها قبل الحرب جيش الاحتلال للوصول إلى نهر الليطاني، وأجبرته على مناورة ضمن حدود ضيقة جغرافياً اعترف الاحتلال بأنها أكثر واقعية مع ظهور اقتدار المقاومة وحجم قوتها وقوة نيرانها وبسالة مقاتليها. وهكذا حجزت المقاومة مقعدها في معادلات اللاعبين الكبار، ومن رحم هذه المعادلة جاء الموقف الإيراني المتمسك بربط لبنان باتفاق وقف إطلاق النار.
خلال الحرب ظهر بخلاف ما روّج له كثيرون وأغلبهم إعلاميون وسياسيون عرب ولبنانيون، أن “إسرائيل” ورطة لأميركا وعبء عليها، حيث لا يعُوّض ظاهر الأداء الناري والاستخباري الإسرائيلي وترجمته بالاغتيالات وعمليات التدمير للمنشآت المدنية والعسكرية في إيران، الخيبة الأميركية من فشل الخطة الإسرائيلية التي استجابت لها أميركا والقائمة على حرب قصيرة سريعة تبدأ بالاغتيالات وتنتهي بسقوط النظام. وقد وجدت واشنطن نفسها في قلب حرب استنزاف تضع معادلة مستقبل الاقتصاد العالمي في كفة موازية لمواصلة الحرب على إيران، بحيث صار على الرئيس دونالد ترامب أن يقرّر الاختيار بين أن يصغي لبرميل النفط المحتجز في مضيق هرمز والذي يضغط بقوة على الاقتصاد العالمي مبشراً بانهيار يخرج عن السيطرة، أو أن يصغي لبنيامين نتنياهو الذي يدعوه للمزيد من التصعيد.
عندما اختبر ترامب عدة مرات الاقتراب من نهاية مهلة التهديد بتدمير إيران دون إعلان التمديد واكتشف أن البرميل يصاب بالذعر والجنون، قرّر الإصغاء للبرميل والذهاب إلى التسوية، ودفع ثمن فتح مضيق هرمز من بنود كانت أهدافاً للحرب، وهنا انتهى الدور الإقليمي لـ”إسرائيل” وصارت ملحقاً أميركياً ثقيل الظل، تسعى واشنطن لحفظه وضمان مستقبل مكانته ودوره، ولكن كلما تعارض ذلك مع مسار صناعة تسوية تنتهي بفتح مضيق هرمز، يجري حل التعارض لصالح البرميل وليس لصالح “إسرائيل”. وهذا بالضبط ما أظهره التجاذب حول معادلة ربط لبنان باتفاق وقف النار، عندما بدا ولو بصورة لم تكتمل بعد أن واشنطن ذاهبة للموافقة على الشرط الإيراني، وبدأ التمهيد الأميركي بالحديث عن التهدئة والتعامل بهدوء، وظهور مواقف غربية كثيرة تطلب ضم لبنان إلى الاتفاق، والأهم في المؤشرات الأميركية التمهيدية كان انقلاب موقف رئيس الحكومة من الاحتجاج على الربط إلى المطالبة به، بما يمنح واشنطن الذريعة لقبول طلب الربط كاستجابة لطلب الحكومة اللبنانية.
رغم كل القدرة التدميرية ورغم التوحش والإجرام صغر حجم “إسرائيل” كلاعب كثيراً، إلى حد التحول إلى مجرد حجر شطرنج أميركي يجري نقله دون سابق إنذار ودون حفظ ماء وجه، كما يجري الآن، في صياغة مخارج تفاوضية كانت بالأمس ميتة، بين طرفين هامشيين في المعادلة، حكومة بنيامين نتنياهو وحكومة نواف سلام. وهذا ليس حكماً أخلاقياً بل تقدير سياسي. وبينما يتلهى الطرفان برسم أطر وأهداف التفاوض تقف العقد الصعبة أمامهما، هل هناك انسحاب من الأرض اللبنانية أم تشريع لاحتلالها؟ والجواب الحقيقي سوف ترسمه المقاومة وحدها كما قالت التجربة التاريخية من قبل، رغم التعرج الذي سيرسمه مسار التهدئة والمواجهة، كما قالت تجربة ما بعد اتفاق وقف إطلاق النار قبل سنة ونصف.
في المنطقة أظهرت الحرب أن الدول العربية والإقليمية الكبرى مجرد عناوين هامشية في صناعة الحدث، رغم أحجامها الكبيرة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، لأن قدرتها على تعديل اتجاه الأحداث كان معدوماً، فهي تقريباً دون استثناء تخشى انتصار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لأنها تعرفت عبر مثال سورية كيف يصبح الوكيل الإسرائيلي سيد المنطقة مع كل انتصار يوضع في الرصيد الأميركي. وهذا يجمع حال دول الخليج وتركيا، لكنها بالمقابل لا تجرؤ على بلوغ الضفة الأخرى بفعل ما فعلته بعض الدول الأوروبية بإغلاق أجوائها ومياهها أمام الطائرات والسفن الأميركية، فتحوّلت إلى مجرد كومبارس في هذه الحرب تتلقى الضربات بالنيابة عن أمريكا، وتتحدّث عن الحياد، فلا هي كانت محايدة ولا كانت حليفاً معترفاً به كشريك تصان مصالحه عندما تشارف الحرب على النهايات، كما يقول الاستعداد الأميركي للتعامل مع مضيق هرمز والسيادة الإيرانية عليه، منذ أعاد الرئيس ترامب نشر تغريدة وزير خارجية إيران عباس عراقجي التي يقول فيها، سيكون ممكناً للسفن عبور مضيق هرمز بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية.
معادلة جديدة تولد في غرب آسيا تأسست على نتائج حروب دارت خلال عقود وكانت آخرها الحرب الفاصلة التي شهدناها خلال الأربعين يوماً، تخرج منها إيران قوة إقليمية عظمى، قادرة على صياغة مفهوم الأمن الإقليمي مع الدول التي تدرك جوهر التغيير الذي حملته الحرب، وهو أن أميركا لا حلفاء لها وأن أميركا لا تحمي وأن أميركا عندما تربح تحوّل ربحها رصيداً حصرياً لـ”إسرائيل” وعندما تخسر توزّع خسائرها على حلفائها العرب والإقليميين.











































































