اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ١٩ أذار ٢٠٢٦
دروس صغيرة في فن إيصال الأخبار الصعبة
في حياتنا اليومية لا نحتاج الشجاعة فقط لنقول 'نعم'، بل نحتاج أحيانًا شجاعة أكبر لنقول: 'لا'.
لكن المشكلة أن كلمة 'لا' عند كثير من الناس تتحول إلى مطرقة.
فبعضهم يقولها بطريقة تكسر العلاقة، أو تجرح المشاعر، أو تترك أثرًا نفسيًا لا علاقة له بالموضوع أصلاً.
ولهذا يقول خبراء التواصل إن المشكلة في كثير من الأحيان ليست في الرفض نفسه، بل في طريقة الرفض.
فكلمة 'لا' يمكن أن تكون قاسية.. ويمكن أن تكون إنسانية في الوقت نفسه.
وهذا ما يسميه علماء التواصل:
الرفض الإيجابي (The Positive No)
أي أن تقول الحقيقة بوضوح، لكن دون أن تكسر الشخص الذي يسمعها.
عندما تصبح طريقة الإبلاغ مشكلة
يحكى أن رجلاً أراد أن يبلغ زوجته بوفاة أبيها.
جلس يفكر طويلًا: كيف أخبرها وهي التي تحبه كثيرًا؟
وبعد تفكير عميق قال لها فجأة:
'اسمعي يا حُرمة.. أنا تزوجت عليك.'
فانفجرت الزوجة بالبكاء والصراخ.
وبعد أن هدأت العاصفة قال لها:
'لا تقلقي.. أنا لم أتزوج. أبوكِ مات.'
فنظرت إليه وقالت:
'الله يرحمه.. المهم أنك ما تزوجت!'
القصة طريفة، لكنها تكشف شيئًا مهمًا في علم النفس:
أحيانًا لا يسبب الألم الخبر نفسه، بل الطريقة التي نصل بها إلى الخبر.
ليس المهم ماذا تقول.. بل كيف تقوله
يحكى أن ملكًا رأى في المنام أن جميع أسنانه سقطت.
ذهب إلى مفسر أحلام فقال له:
'هذا يعني أن جميع أقاربك سيموتون قبلك.'
فغضب الملك وسجنه.
ثم جاء مفسر آخر فقال:
'أبشر يا مولاي.. فإنك أطول أهل بيتك عمرًا.'
ففرح الملك وأعطاه المال.
الحقيقة واحدة في الحالتين.
لكن الفرق كان في طريقة التعبير.
الأول ركّز على الموت، والثاني ركّز على طول العمر.
وهنا تظهر قاعدة ذهبية في التواصل:
اللغة لا تنقل المعنى فقط.. بل تصنع الشعور أيضًا.
مدرسة 'قلها كما هي'
في أحد السجون وصل خبر وفاة والد أحد الأسرى.
جلس المسؤولون يفكرون: كيف يبلغونه الخبر؟
فقال أحد الشباب بثقة:
'اتركوها عليّ.'
أخذ الرجل وسار معه في المردوان… وبعد دقائق سقط الأسير مغشيًا عليه.
سألوه:
ماذا قلت له؟
قال ببساطة:
'قلت له: أبوك مات.. كيف يعني بدكو أقول له؟!'
وهذه هي الصراحة التي يسميها علماء النفس: الصراحة بلا ذكاء عاطفي.
فالحقيقة قيلت.. لكن القلب لم يحتملها.
الحياة اليومية مليئة بكلمة 'لا'
لا تحتاج إلى أن تكون طبيبًا أو مسؤولًا لتواجه هذه المواقف.
فالحياة مليئة بطلبات تحتاج إلى رفض.
والفرق بين الناس يظهر في الطريقة.
المدير والموظف
المدير القاسي يقول:
'طلب الإجازة مرفوض.'
أما المدير الحكيم فيقول:
'أعرف أنك تحتاج الإجازة، لكن ضغط العمل هذا الأسبوع كبير. دعنا نبحث عن موعد مناسب قريبًا.'
الطبيب والمريض
الطريقة القاسية:
'الفحوصات سيئة.'
الطريقة الإنسانية:
'هناك بعض النتائج التي تحتاج متابعة، لكن لدينا خيارات علاج جيدة.'
الأب والطفل
الطفل يريد لعبة جديدة.
الأب المتعب يقول:
'لا.. انتهى.'
أما الأب الحكيم فيقول:
'ليست الآن.. ربما في العيد.'
المعلم والطالب
المعلم القاسي يقول:
'إجابتك خطأ.'
المعلم التربوي يقول:
'الفكرة قريبة.. لكنها تحتاج تعديلًا بسيطًا.'
كلمات صغيرة.. فرق كبير
أحيانًا لا تحتاج إلى تغيير المعنى،
بل تحتاج فقط إلى تغيير النبرة.
بدل أن تقول:
'لا أستطيع مساعدتك.'
قل:
'أتمنى لو أستطيع.. لكن ظروفي لا تسمح الآن.'
'لن أحضر.'
'للأسف لدي التزام آخر.'
'فكرتك غير جيدة.'
'ربما يمكن تطوير الفكرة أكثر.'
'أنت مخطئ.'
'ربما يمكن النظر إلى الموضوع من زاوية أخرى.'
الكلمات نفسها تقريبًا.. لكن الأثر النفسي مختلف تمامًا.
الطريقة البسيطة لقول 'لا'
يقترح خبراء التواصل ثلاث خطوات بسيطة:
أولًا: أظهر التفهم
'أعرف أن هذا الموضوع مهم لك.'
ثانيًا: قل الحقيقة بوضوح
'لكن للأسف لا أستطيع الموافقة الآن.'
ثالثًا: احفظ العلاقة
'أتمنى أن نجد فرصة أخرى للتعاون.'
بهذه الطريقة تبقى كلمة 'لا' واضحة..
لكنها لا تتحول إلى جرح إنساني.
خلاصة
في الحياة.. المصائب لا تحتاج إلى مساعدة.
هي تأتي وحدها.
لكن بعض الناس يصرّون على إضافة مصيبة أخرى اسمها: طريقة الإبلاغ.
ولهذا إن اضطررت يومًا إلى نقل خبر صعب.. فحاول قدر الإمكان
أن يحزن الإنسان من الخبر نفسه
لا من الطريقة التي قلت بها الخبر.
لأن الكلمة.. قد تكون أحيانًا أقسى من المصيبة نفسها.

























































