اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ٥ حزيران ٢٠٢٦
خاص الهديل…
بقلم محمد طارق بسام عفيفي…
لا شك المعادلة تغيري وأن دمشق لم تعد مجرد ورقة في ملفات الآخرين، أو رقماً هامشياً في حسابات الإقليم؛ فما يحدث اليوم ليس مجرد ترحيب دولي بنظام جديد، بل هو اعترافٌ عملي بمتغيرات فرضت نفسها بقوة الميدان والدبلوماسية معاً. فحين يشارك الجيش السوري اليوم في مناورات 'زيرو-ايفيس 2026' إلى جانب قوى دولية وازنة، نحن لا نشهد مجرد تمرين عسكري، بل نرى 'إعادة تعريف' لهوية المؤسسة العسكرية؛ إذ تتحول من حارسٍ لأمنِ السلطة إلى شريكٍ في أمن المنطقة، متجاوزةً بذلك إرثاً ثقيلاً من الانعزال والتبعية.
في السياق ذاته، تبلورت 'مظلة الحماية' الدولية لسوريا الجديدة استناداً لثوابت 'منتدى العقبة'، لتفتح الأبواب أمام قيادة الرئيس أحمد الشرع للمشاركة في قمة 'مجموعة السبع'.
وعليه يُنظر لهذا الانفتاح أنه ليس إلا برهاناً ساطعاً على أن سوريا لم تعد منبوذة، بل فاعلاً استراتيجياً يفرض وجوده في معادلات الإقليم، وهو ما يضع 'تل أبيب' في مأزقٍ حقيقي؛ إذ ترى المؤسسة العسكرية السورية تُبنى وتتطور، بينما تغرق هي في عزلةٍ دوليةٍ متزايدة، وسط تقارير دولية تدين انتهاكاتها وتُعرّي صورتها أمام العالم.
وبموازاة ذلك، يبرز البعد الاقتصادي كركيزةٍ مكملةٍ لهذا الصعود؛ إذ لم تعد الشراكات مع الجوار الإقليمي تقتصر على التنسيق الأمني، بل توسعت لتشمل قطاعات استراتيجية كالطاقة والمعادن. هذا التكامل الاقتصادي يؤكد أن 'سوريا الجديدة' تدرك أن السيادة لا تكتمل إلا بامتلاك مفاتيح القوة الاقتصادية، وهو ما يمنح دمشق أوراق ضغطٍ جديدة في ملفات إعادة الإعمار، بعيداً عن سياسات الإملاءات التي كانت تحكم علاقات النظام البائد بالخارج.
وعلى النقيض من هذه الانتصارات الخارجية، يقف التحدي الداخلي كمعيارٍ للحسم؛ فالعبرة ليست في الانفتاح على الخارج، بل في قدرة هذا الانفتاح على 'توطين' النجاحات. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن النشوة بالنجاحات الدبلوماسية لا يجب أن تنسينا أن 'إعادة البناء' هي عمليةٌ مركبةٌ تتطلب تحصين الجبهة الداخلية بورشةٍ دستوريةٍ ومؤسساتيةٍ شاملة. فالبرلمان السوري، واللجان المختصة، أمام مسؤولية تاريخية لصياغة قوانين تنهي مرحلة الفوضى، وتضع أسساً قانونية للاستثمار والعمل السياسي، وتضمن أن تكون التنمية عمليةً شاملةً لا تتركز في أيدي قلة.
وبعيداً عن السرد العاطفي، لا بد من الإدراك أن ما تحققه سوريا اليوم هو 'فرصة'، وليست 'نتيجة نهائية'. فالعالم يراقب هذا المسار بجدية، وتحدينا الحقيقي ليس فقط في الحضور ضمن المناورات أو القمم، بل في قدرتنا على بناء 'دولة القانون' التي تحمي مكتسبات السيادة بالداخل قبل الخارج، وتؤسس لعقدٍ اجتماعيٍ جديدٍ يلتف حوله السوريون بمختلف أطيافهم.
في المحصلة، الاختراقات الخارجية ليست سوى 'رافعة' سياسية، أما الاستقرار الحقيقي فيُبنى داخل أسوار الدولة. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل نحن قادرون على الموازنة بين الحضور الدولي الفاعل، وبين استحقاق بناء دولة المؤسسات في الداخل؟ هذا هو التحدي الجوهري الذي سيرسم ملامح سوريا الجديدة، وما دون ذلك يبقى مجرد تفاصيل في مشهد إقليمي لا يرحم الضعفاء أو المترددين، ومسؤوليتنا التاريخية تقتضي تحويل هذا الزخم الدبلوماسي إلى 'نهضة وطنية' لا تقبل التراجع.











































































