اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١ أذار ٢٠٢٦
ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد على مذبح كنيسة الباحة الخارجية للصرح البطريركي في بكركي في كابيلا القيامة.
بعد تلاوة الانجيل المقدس القى البطريرك الراعي عظة بعنوان: يا ابنتي إيمانك خلصك اذهبي بسلام، قال فيها: تذكر الكنيسة المارونية اليوم وطيلة هذا الأسبوع شفاء المرأة النازفة منذ اثنتي عشرة سنة. فشفيت بلمس طرف رداء يسوع بقوة إيمانها الصامت. وتذكر أيضًا قيامة ابنة يائيرس من الموت، بقوة إيمانه بكلمة يسوع: لا تخف! آمن فقط (لوقا 8: 50). يسعدني أن أرحّب بكم جميعاً للاحتفال معاً بهذه الليتورجيا الإلهية ملتمسين إيمان تلك المرأة، وإيمان يائيرس، وهو إيمان قادر على شفائنا من نزيف قيمنا الروحية والأخلاقية والاجتماعية، وعلى قيامتنا من حالة الخطيئة . وأرحّب بنوع خاص بأسرة رابطة كاريتاس لبنان، جهاز الكنيسة الاجتماعي. فأحيّي سيادة أخينا المطران بولس عبد الساتر المشرف عليها ورئيسها الجديد الأب سمير الغاوي وأعضاء المكتب والمجلس وأقاليمها ومراكزها. فإنّا نطلق معهم اليوم حملة الصوم وهي بعنوان: محبّة بلا حدود. وهو شعار يجسد هوية كاريتاس ورسالتها الإنسانية في أسمى معانيها. فالمحبة التي تترجمها بالأعمال لا تعترف بأي حدود، بل تنطلق نحو كل إنسان محتاج دون تمييز. هي محبة تتجسد عملاً والتزامًا يوميًا، في خدمة الفقير والمريض والمهمّش، وفي الوقوف إلى جانب المتألم بكرامة واحترام. باعتمادها هذا الشعار لحملة صوم ٢٠٢٦، تؤكد كاريتاس أن التضامن ليس آنيًّا، بل مسيرة مستمرة تتخطى كل الحواجز، ولأن الإنسان أولًا وأخيرًا هو محور رسالتها.
اضاف: تابعت كاريتاس أداء رسالتها الإنسانية والاجتماعية خلال سنة ۲۰۲٥ بتقديم خدمات متنوعة تدعم الفئات الأكثر فقرًا وتنفيذ مشاريعها في مجالات عدة منها: الصحة، المساعدات الاجتماعية، التعليم، الحماية، التنمية، تحسين سبل العيش، بالإضافة إلى المساعدات المختلفة لدعم اللبنانيين النازحين جراء الحرب المدمّرة الأخيرة التي عاشها لبنان. تمكّنت كاريتاس من تنفيذ ذلك من خلال أقاليمها الـ ٣٦ المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية وفي مراكزها، إضافةً إلى ٤ مراكز تعليمية خاصة، مؤسسات اجتماعية وملاجئ آمنة، و۱۱ مركز رعاية صحية أولية(PHCCS) ، و۹ وحدات طبية متنقلة(MMUS) وبفضل الجهود الجبارة التي تبذلها عائلة كاريتاس، التي تشمل المتطوعين، والعاملين، والأقاليم، والشبيبة، والمنتسبين، وأعضاء مجلس الإدارة، وعدد كبير من الأصدقاء والداعمين. وقد بلغ عدد شبيبة كاريتاس التي احييها تحية خاصة 1880متطوعًا. الجوّ في إنجيل اليوم جوّ إيمان من يائيرس والد الصبية الذي جاء وارتمى على قدمَي يسوع وطلب أن يأتي بيته ويشفي ابنته الوحيدة المشرفة على الموت (لو۸: ٤١-٤٢) ومن يسوع الذي قدّر هذا الإيمان بانطلاقه مع يائيرس. فأدركت المرأة المنزوفة بأنّ يسوع القادر على شفاء الصبية، آمنت بأنه قادر على أن يشفيها هي أيضًا من نزيف دمها. لكنها لا تستطيع أن تفعل مثلما فعل يائيرس. بل تخفّت وجاءت من وراء يسوع، وسط الجمع المحيط به، ومسّت طرف ردائه، لإيمانها بأنها إذا فعلت تشفى. وفي الواقع وقف للحال نزف دمها (لو ٨: ٤٤). تخفّت لأنّ شريعة موسى وَصَمَت بالدّنس كل امرأة مصابة بنزف دم، وأنهتها عن الحضور علنًا بین الشعب وعن الحياة الاجتماعية، وعن لمس أي شخص؛ ومنعت الشريعة كل إنسان من لمسها لئلا يتدنّس (راجع سفر الأحبار، الفصل ١٥ و١٧). اثنتا عشرة سنة، سنوات طويلة من الألم الصامت، من العزلة الاجتماعية، من الاستنزاف الجسدي والنفسي والمادي. وقد أنفقت كل معيشتها على الأطباء ولم يشفها أحد. كانت بحسب الشريعة تُعدّ نجسة، تُقصى عن الجماعة، تعيش على هامش المجتمع. نزيفها لم يكن فقط دمًا يسيل، بل حياة تنتهي ببطء. لكن داخل هذا الجسد المنهك كان قلبٌ لا يزال يؤمن. لم تعلن إيمانها، لم ترفع صوتها، لم تطلب علنًا. اقتربت من وراء يسوع، في خجل المتألمين، ولمست طرف ردائه. قالت في داخلها: إن لمستُ فقط، أُشفى. هذا هو الإيمان الصامت: قرار داخلي عميق، ثقة لا تحتاج إلى ضجيج، تسليم لا يحتاج إلى كلمات. في اللحظة عينها وقف النزيف. ما عجز عنه الطب في سنوات، حقّقه الإيمان في لحظة. لكن المسيح لم يترك الأمر يمرّ سرًا فسأل: «من لمسني؟» أراد أن يُظهر أن ما حدث لم يكن صدفة. أراد أن يعلن أن الإيمان الصامت ليس خفيًا أمام الله. وقال للمرأة: يا ابنتي، إيمانكِ خلّصكِ (لو 8: 48). وبكلمة يا ابنتي أعاد إليها هويّتها وكرامتها وأدخلها من جديد في حضن الجماعة. في المشهد نفسه يظهر يائيرس، رئيس المجمع. جاء إلى يسوع وتوسّل إليه أن يأتي ليشفي ابنته المريضة المشرفة على الموت هذا إيمان ناطق، إيمان يتوسل ويطلب ويجاهر برجائه. لم يخفِ حاجته، بل أعلنها. لكن حين جاءه الخبر القاسي: «ابنتك ماتت»، صمت. هنا يتحوّل الإيمان الناطق إلى إيمان صامت. قبل كلمة يسوع: «لا تخف، آمن فقط». سار خلفه دون احتجاج، دون جدال، دون انكسار. المرأة بدأت بصمت اللمسة، ويائيرس انتهى بصمت الثقة. هي لمست وآمنت وشُفيت، وهو سمع وآمن فرأى قيامة ابنته. الإيمان الناطق جميل لأنه يعبّر، والإيمان الصامت عظيم لأنه يسلّم. كلاهما طريق إلى النعمة، وكلاهما يلتقيان في الثقة المطلقة بكلمة المسيح.
وقال: بالانتقال من صفحة الإنجيل إلى واقعنا الوطني في لبنان، نجد أن صورة المرأة النازفة تشبه إلى حدّ بعيد واقعنا الوطني. كم يشبه وطننا جسدًا ينزف منذ سنوات؟ نزفًا يوميًا معيشيًا يرهق العائلات، نزفًا اقتصاديًا يستنزف الموارد، نزفًا اجتماعيًا يضعف الثقة، نزف هجرة يفرغ البيوت من شبابها، نزفًا نفسيًا يسرق الطمأنينة من القلوب. الوطن لا يشفى بالشعارات وحدها، ولا بالضجيج ، بل بلمسة إيمان حقيقية. هناك إيمان ناطق يطالب بالحق والعدالة والإصلاح، وهذا ضروري. وهناك إيمان صامت يعيش الأمانة اليومية: موظف يرفض الفساد، معلّم يخلص في رسالته، شاب يصرّ على العمل الشريف، أمّ تزرع القيم في أولادها. هذه اللمسات الصامتة لا تُرى، لكنها تخرج قوة تغيّر الواقع.
وختم الراعي: فلنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء، إلى الرب لكي يوقف كل نزيف في حياتنا: نزيف اليأس، ونزيف الخوف، ونزيف الانقسام. نصلّي من أجل وطننا، كي يلمسه ربنا بيده الشافية، وكي يزرع في قلوب أبنائه إيمانًا حيًا، صامتًا كان أم ناطقًا، يقود إلى شفاء حقيقي وتجدد صادق. فنرفع المجد والتسبيح للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.











































































