اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ١٠ أيلول ٢٠٢٦
في دعوة صريحة وواضحة، وجّهت مجموعة من الأكاديميين والمثقفين، تضم أكثر من 400 شخصية استشعرت حجم الخطر، نداءً يمكن وصفه بـ'نداء النبطية الثاني'، مطالبةً الدولة اللبنانية بالتحرك لحماية مدينة النبطية، وعدم السماح للعدو الإسرائيلي بالتماهي مع الحجج والذرائع التي قد تُستخدم لتدمير عاصمة جبل عامل، هذه المدينة ذات التاريخ العريق، والتي ارتبط اسمها بعائلاتها المنتشرة في مختلف أنحاء العالم، وبما تضمّه من مثقفين ورجال أعمال وطاقات اجتماعية واقتصادية وثقافية.
ويطالب أصحاب النداء الدولة اللبنانية بتحمّل مسؤولياتها كاملةً تجاه النبطية وأهلها، والعمل على حمايتها وعدم السماح بتكرار تجارب سابقة أدت إلى تدمير أكثر من سبعين قرية ومدينة، وتهجير أهلها إلى مناطق مختلفة، وتدمير منازلهم واقتلاع أشجارهم وقطع أرزاقهم، فضلًا عن تهجير السكان وتجريف مقابر القرى، بما ترك آثارًا عميقة في ذاكرة أبناء الجنوب.
ذاكرة الجنوب أمام خطر التكرار
ينطلق هذا النداء من تجربة جنوبية قاسية عاشها أبناء المنطقة خلال مراحل مختلفة من الصراع، ومن الخوف من أن تتكرر التجربة نفسها في النبطية ومحيطها. فالجميع يعرف ما حدث في علي الطاهر، وما رافق تلك المرحلة من تعنّت الحزب، الذي كان يروّج لفكرة أنه يصنع خط مواجهة اقتصاديًا يمتد من كفرتبنيت وعلي الطاهر وصولًا إلى مضيق هرمز وباب المندب، في مواجهة ما كان يصفه بالاقتصاد الاستكباري العالمي.
لكن هذه المعادلة، بحسب أصحاب النداء، تبدّلت بصورة مفاجئة بعدما حصلت المساومة مع الجانب الإيراني، فيما تُرك عناصر حزب الله في التلة، وانتهى الأمر، وفق هذه الرواية، إلى تسليمهم للإسرائيلي بدل تسليم الموقع إلى الدولة اللبنانية.
ومن هنا يأتي التحذير من استمرار الرهان على المعادلات العسكرية والسياسية نفسها، في وقت يدفع فيه أبناء الجنوب الثمن المباشر لهذا الصراع.
الدولة أمام مسؤوليتها
يدعو البيان الدولة اللبنانية إلى التحرك سريعًا قبل فوات الأوان، ولا سيما أن الأوضاع تزداد سوءًا، فيما يعيش الناس في حالة صعبة ومعقدة. ويرى أصحاب النداء أن استمرار استخدام الجنوب ومناطق أخرى كساحات للمواجهة يضع السكان أمام مخاطر متزايدة، في حين أن إيران، بحسب موقفهم، لا تزال تستخدم هذه المناطق في إطار مواجهة مرتبطة بمصالحها وبرنامجها النووي وحساباتها القومية.
ولا يتوقف النداء عند المطالبة بحماية النبطية فقط، بل يطرح مسألة أوسع تتعلق بمسؤولية الدولة عن حماية مواطنيها، ومنع تحويل المدن والقرى اللبنانية إلى ساحات مفتوحة للصراعات الإقليمية.
الأهالي يطلبون حماية الجيش
ويكتسب هذا النداء أهميته، بحسب أصحابه، من التحولات التي ظهرت بوضوح في موقف الجنوبيين، وتحديدًا أبناء النبطية. فقد أظهرت شاشات التلفزة خلال الفترة الماضية مشاهد لاستقبال الأهالي للجيش اللبناني، وهو ما يعكس، في نظرهم، حاجة متزايدة إلى حضور الدولة واحتضانها، بعد أن فقد كثير من أبناء المنطقة الشعور بوجود هذا الاحتضان.
فالمطلب الذي يعبّر عنه الأهالي، وفق هذه القراءة، لم يعد مجرد مطلب سياسي، بل أصبح حاجة مباشرة إلى الرعاية والحماية والأمان، وإلى وجود الدولة والجيش كجهة مسؤولة عن حماية السكان وممتلكاتهم وأمنهم.
انسجام مع موقف المرجعية الدينية في النبطية
ويتوافق هذا النداء مع البيان الذي أصدره الشيخ عبد الحسين صادق، إمام النبطية، والذي طالب فيه الدولة بحماية المدينة وإنقاذها من ويلات العدوان الإسرائيلي، في ظل ما يعتبره نوايا واضحة باتجاه التدمير والتهجير واختلاق الحجج والذرائع.
وفي ظل استمرار القصف والتوتر، يبقى السكان هم من يدفعون الثمن، بصرف النظر عن طبيعة الحسابات الإقليمية والدولية التي تقف خلف المواجهة.
استعادة ذاكرة ما قبل الاجتياح
ويستعيد هذا الواقع، بالنسبة إلى كثير من أبناء الجنوب، مشاهد عاشتها القرى الجنوبية بين عامي 1980 و1982، أي قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان. ففي تلك المرحلة، بدأت العلاقة بين الأهالي والمقاتلين الفلسطينيين وأحزاب اليسار الموجودين في القرى الحدودية تشهد توترًا متزايدًا، ووصل الأمر في بعض المناطق إلى اعتراض الأهالي على وجود المقاتلين وسط السكان، والمطالبة بخروجهم من القرى الواقعة في مواجهة الخط الأمني الإسرائيلي.
وقد استثمرت إسرائيل آنذاك هذه الأوضاع لتقديم مبررات تدخلها العسكري في لبنان، تحت شعار إبعاد المقاتلين الفلسطينيين عن الجنوب ومنع ما كانت تعتبره خطرًا على المستوطنات الإسرائيلية.
خطر تكرار التجربة
واليوم، يُخشى من تكرار السيناريو نفسه إذا لم تتم معالجة الأمور بصورة سريعة. فاستمرار تدمير القرى وتهجير أهلها قد يدفع السكان، بحسب هذه الرؤية، إلى مواجهة مباشرة مع حزب الله، بعدما باتوا يرون أن وجود المقاتلين والسلاح في مناطقهم قد يحولهم إلى أهداف مباشرة للعدوان الإسرائيلي.
وقد شهدت الأيام الماضية، وفق النص، مواجهات في عرب صاليم والنميرية والنبطية، وهو ما يثير مخاوف من توسع دائرة الاحتكاك بين الأهالي والحزب، بما قد يؤدي إلى تطور المواجهة الداخلية، في وقت يمكن أن يستفيد فيه العدو الإسرائيلي من هذه الخلافات لمصلحته.
المطلوب ليس الجيش وحده بل القرار السياسي
ويؤكد أصحاب النداء أن المطلوب لا يقتصر على نشر الجيش اللبناني في المناطق الجنوبية، كما يحاول البعض اختزال المسألة، لأن الجيش، في رأيهم، يمتلك القدرة الكبيرة على تأمين هذه المناطق وحماية أهلها إذا توافر التوافق السياسي وأُعطي الضوء السياسي الكامل للقيام بمهمته.
فالمشكلة الأساسية، بحسب هذه الرؤية، ليست في قدرة الجيش العسكرية، وإنما في القرار السياسي الذي يسمح له بممارسة دوره كاملًا، ويمنحه الغطاء الوطني اللازم لتثبيت الأمن وحماية السكان.
استعادة القرار وحصرية السلاح
ومن هنا، يصبح المطلوب، وفق أصحاب النداء، موقفًا سياسيًا واضحًا يقوم على استعادة القرار السياسي للدولة في هذه المناطق، وحماية أهلها من تكرار تجارب وصفوها بالفاشلة والمهزومة، وعدم ترك الجنوب رهينة لمعادلات إقليمية تتجاوز مصالح سكانه.
فالرهان، في نهاية المطاف، يجب أن يكون على استعادة الدولة لأراضيها، وعلى قيام الجيش اللبناني بدوره في تثبيت السيادة، وعلى حصرية السلاح بيد الدولة، وعلى وحدة القرار الرسمي اللبناني.
النبطية بين حماية المدينة واستعادة الدولة
إن 'نداء النبطية الثاني' لا يطرح، في جوهره، قضية مدينة واحدة فحسب، بل يضع أمام الدولة اللبنانية سؤالًا أوسع حول قدرتها على حماية مواطنيها ومنع تكرار التجارب التي دفع الجنوب ثمنها لعقود.
فالنبطية، بما تمثله من ثقل تاريخي واجتماعي وثقافي واقتصادي في جبل عامل، ليست مجرد ساحة عسكرية يمكن التعامل معها بمنطق الجبهات. إنها مدينة يعيش فيها أهلها، وترتبط بعائلات وطاقات منتشرة في لبنان والعالم، ومن حق هؤلاء أن يشعروا بأن دولتهم موجودة لحمايتهم.
ومن هنا، فإن إنقاذ النبطية والقرى الجنوبية لا يبدأ فقط بإرسال المزيد من القوات، بل باستعادة القرار السياسي للدولة، ومنح الجيش القدرة على ممارسة دوره، وتثبيت السيادة وحصرية السلاح، ووضع حد لتحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.
فالرسالة التي يعبّر عنها الأهالي اليوم هي أن حماية الجنوب لا يمكن أن تستمر خارج إطار الدولة، وأن استعادة الدولة لدورها تبقى الطريق الأكثر قدرة على حماية الناس والأرض ومنع تكرار مآسي الماضي. وفي هذا السياق، فإن حماية النبطية وإنقاذها من الهدم لا تمثلان مجرد استجابة لظرف أمني طارئ، بل يمكن أن تشكلا خطوة أساسية على طريق استعادة الدولة اللبنانية لدورها المفقود، وتثبيت سيادتها، وحماية أهل الجنوب من أن يدفعوا مرة أخرى ثمن صراعات تتجاوز حدود مدنهم وقراهم.











































































