اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٤ أيلول ٢٠٢٦
كتب صلاح سلام في اللواء
لم يكن إطلاق الدفعة الأولى من الأسرى اللبنانيين لدى العدو الإسرائيلي مجرد خطوة إنسانية طال انتظارها، بل شكّل صدمة إيجابية أعادت بعض النبض إلى المفاوضات المباشرة. التي جُمّدت خلال الأسابيع الماضية . إنها لحظة سياسية لا يجوز التقليل من دلالاتها، لأنها قدّمت الدليل الملموس على أن الدبلوماسية، عندما تستند إلى قرار وطني واضح، وضغط دولي جاد، تستطيع أن تصلح بعض ما يفسده الميدان، وأن تستعيد بالتفاوض ما تعجز لغة النار عن استعادته من دون أثمان باهظة.
لقد سقط، مع خروج الأسرى إلى الحرية، جانب أساسي من الحملة التي اتهمت خيار المفاوضات المباشرة بأنه خطأ استراتيجي أو خروج على الثوابت الوطنية. فالحقوق لا تُصان بالشعارات وحدها، والسيادة لا تُستعاد بالخطب، والوطنية لا تُقاس بمقدار ما يُدفع من دماء ودمار. أما التفاوض، فليس استسلاماً ولا تطبيعاً مجانياً، بل وسيلة مشروعة من وسائل الدفاع عن المصالح الوطنية، شرط أن يُدار من موقع التمسك بالحقوق، وأن يبقى هدفه وقف العدوان، وتحرير الأسرى والأرض، وترسيخ سلطة الدولة.
ولا يمكن فصل هذا الاختراق عن المهمة الاستثنائية التي قام بها السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، عندما انتقل إلى تل أبيب والتقى نتنياهو. كانت خطوة جريئة كسرت الجمود، ونقلت المطالب اللبنانية من دهاليز الوساطات البطيئة إلى طاولة القرار الإسرائيلي مباشرة. والأهم أنها أثبتت أن الديبلوماسي الجريء، حين يتحرك بإرادة سياسية واضحة، يستطيع تجاوز البروتوكولات الجامدة، وتحويل دوره من ناقل للرسائل، إلى قوة ضغط قادرة على انتزاع نتائج عملية.
نجاح مهمة عيسى يؤكد، مرة أخرى، أن المشكلة لم تكن يوماً في عجز واشنطن عن التأثير في إسرائيل، بل في مدى استعدادها لاستخدام هذا التأثير. فعندما تمارس الإدارة الأميركية ضغطاً جدياً على نتنياهو، وهذا ما حصل سابقاً عند التوصل إلى اتفاق الإطار، نتيجة جهود أميركية مكثفة شارك في جانب منها الرئيس دونالد ترامب شخصياً، وما تجدّد اليوم في ملف الأسرى. ما تحقق يثبت أن الاحتلال يفهم لغة الضغط، وأن تركه بلا محاسبة لا يؤدي إلا إلى مزيد من العربدة والمماطلة.
هذا الإنجاز يفرض على الدولة اللبنانية أن تتمسك بالمفاوضات، وألا تسمح بإجهاضها تحت تأثير المزايدات الداخلية أو الحسابات الإقليمية. فالمفاوضات ليست ملك فريق سياسي، بل خيار دولة تقاتل بأدوات السياسة والقانون لاستعادة حقوق شعبها. وأي محاولة لإسقاط هذا المسار تعني عملياً إعادة لبنان إلى دائرة الحرب المفتوحة، ومنح نتنياهو الذريعة التي يبحث عنها لاستكمال عدوانه.
عودة الدفعة الأولى من الأسرى ليست نهاية الطريق، لكنها كسرت جداراً كان يبدو عصياً على الاختراق. والرسالة باتت شديدة الوضوح: حين تتحرك الدولة بقرار واحد، وتُمارس واشنطن نفوذها بجدية، ويُدار التفاوض بشجاعة وصلابة، تستطيع الدبلوماسية الجريئة أن تنتزع من إسرائيل ما حاولت احتجازه بالقوة.











































































