اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
لم يكن التصعيد العسكري الحوثي الأخير ضد المنشآت الحيوية والمطارات المدنية في المملكة العربية السعودية مجرد رد فعل محلي أو نتاج حسابات يمنية داخلية، بل جاء بمثابة ترجمة ميدانية دقيقة وصارمة للإستراتيجية الإقليمية التي يديرها الحرس الثوري الإيراني،فمع اشتداد الخناق الدولي على طهران، وتزايد احتمالات تجدد الحرب الامريكية الاسرائيلية ضد الحرس الثوري، برزت جماعة الحوثي كأداة عسكرية متقدمة لتنفيذ العقيدة الإيرانية الشهيرة: 'إما أن يصدر الجميع نفطهم ويمروا بسلام، أو لا أحد'ويعزز ذلك وقائع وأدلة زمنية وميدانية تثبت المقايضة الإيرانية الصريحة بضرب استقرار المنطقة مقابل تخفيف الضغوط عن المركز في طهران.
التصعيد الحوثي شهد تحولاً خطيراً تمثل باستهداف جماعة الحوثي المباشر لـ مطار الملك خالد الدولي بالرياض، ومحاولة ضرب مطار الملك فهد الدولي بالدمام بواسطة صواريخ باليستية وطائرات مسيرة دقيقة التوجيه،ولم يكن التوقيت مصادفة،حيث تزامن مع فرض عقوبات دولية وحظر أمريكي مشدد شلّ حركة الطيران الإيراني، ووفقاً للإحصاءات الرسمية الأخيرة الصادرة عن قيادة قوات التحالف، فقد شن الحوثيون نحو 20 اعتداءً على مطار الملك خالد الدولي بالرياض وحده منذ مطلع أكتوبر 2026،وسجلت الهجمات الحوثية العشوائية على مطارات الرياض وأبها وجازان خلال هذا الشهر حصيلة دامية أدت إلى وفاة 19 شخصاً وإصابة 364 آخرين من المدنيين والمسافرين.
في تلك الأثناء، سارع المتحدث العسكري للحوثيين إلى إعلان ما أسماها معادلة 'المطار بالمطار والحصار بالحصار، ولم يصنع هذا الشعار في صنعاء، بل كان صدىً مباشراً لتهديدات قادة الحرس الثوري في طهران الذين أوعزوا لوكلائهم باستهداف الملاحة الجوية السعودية وبنيتها التحتية، لإيصال رسالة واضحة للمجتمع الدولي مفادها أن حظر الطيران الإيراني سيعني بالضرورة شلل الحركة الجوية في أهم شريان اقتصادي بالمنطقة.
تتحرك الدبلوماسية الإيرانية الخشنة دوماً تحت غطاء التهديد بإغلاق مضيق هرمز، الممر المائي الأهم لتجارة الطاقة العالمية،ولكن مع صعوبة الدخول في مواجهة بحرية مباشرة ومستمرة مع القوى الدولية في الخليج العربي، نقل الحرس الثوري ثقل عمليات الاستنزاف إلى جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب عبر الحوثيين،وجاءت الأدلة الميدانية والرقمية لتؤكد هذا التكامل الممنهج، فبحسب بيانات التحالف، استخدم الحوثيون في اعتداءاتهم الممتدة 278 لغماً بحرياً و118 زورقاً مفخخاً استهدفت حركة السفن وناقلات النفط،وبالتزامن مع استهداف بحرية الحرس الثوري الإيراني لناقلات النفط في مضيق هرمز، كان الحوثيون يشنون هجمات منسقة ضد ناقلات النفط السعودية والمنشآت العائمة في خليج عدن والبحر الأحمر، بالإضافة إلى قصف محطات ضخ النفط على خط أنابيب (شرق - غرب) الاستراتيجي لتعطيل البدائل البرية للمملكة، مما تسبب في تراجع متوسط الإنتاج النفطي اليومي للسعودية إلى أقل من 7 ملايين برميل خلال فترات المواجهة الحادة، وهو ما يعكس رغبة طهران في فرض إرادتها بالقوة عبر التهديد الحرفي: 'لا تصدير لأحد.
وفي خضم التهديدات والتحذيرات العسكرية الموجهة للشركات الأجنبية والمسافرين والمدنيين للابتعاد عن المطارات والمرافق السعودية، تعمدت الآلة الإعلامية والعسكرية للحوثيين استثناء مطارات المدن المقدسة (مكة المكرمة والمدينة المنورة) من دائرة الاستهداف، ويحمل هذا الاستثناء في طياته دلالة أيديولوجية عميقة صاغتها الماكينة الدعائية للحرس الثوري الإيراني، فالهدف هنا هو محاولة الفصل المصطنع بين 'المقدسات الإسلامية' وبين النظام السياسي والسيادي للمملكة العربية السعودية،هدفه إضفاء مسحة من 'الشرعية الدينية' على هجماتها، ومحاولة إقناع الشارع الإسلامي بأن صواريخها لا تستهدف الرموز الدينية، بينما هي في الواقع تدمر البنية التحتية المدنية والاقتصادية للبلاد وتستهدف العواصم السياسية والاقتصادية كالرياض والدمام، وهي دعاية سياسية مكشوفة تحاول تبرير الإرهاب العابر للحدود بغطاء عقائدي مشوه.
إن القفزة النوعية في دقة الهجمات الحوثية تمثل الدليل الدامغ والأكبر على الإشراف اللوجستي المباشر للحرس الثوري،حيث وثقت الإحصائيات إطلاق ما مجموعه 1104 صواريخ باليستية ومجنحة (كروز)، و1135 طائرة مسيّرة متفجرة باتجاه أراضي المملكة منذ بدء العمليات الحوثية، وتؤكد تقارير استخباراتية دولية متطابقة أن مكونات صواريخ كروز والباليستية يجري تهريبها مجزأة عبر خطوط بحرية وبرية معقدة تشرف عليها قوة القدس التابعة للحرس الثوري، وعلاوة على الدعم التقني، تدار العمليات الكبرى من غرف مشتركة يتواجد فيها خبراء ومستشارون من الحرس الثوري وحزب الله اللبناني لتحديد الأهداف وربطها بالتوقيتات السياسية التي تخدم ملف طهران التفاوضي.
وفي الخلاصة،تثبت هذه الأرقام والحقائق مجتمعة أن المشهد اليمني قد جرى اختطافه بالكامل ليتحول من أزمة داخلية إلى جبهة عسكرية متقدمة تخدم طموحات طهران الإقليمية، وان قرار التصعيد الحوثي وضرب النفط والمطارات السعودية ليس قراراً سيادياً نابعاً من صنعاء، بل هو تنفيذ أعمى لأوامر الحرس الثوري الإيراني، يتزامن مع استهدافات متكررة لخط شرق غرب السعودي من قبل فصائل عراقية موالية للحرس الثوري،وتظل الجماعة الحوثية مجرد أداة وظيفية،تستخدمه إيران لحرق استقرار المنطقة وشرايين الطاقة العالمية، مقابل أن تظل طهران ممسكة بأوراق الضغط والتفاوض في صراعها الأوسع مع المجتمع الدولي.

























































