اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
كتب الدكتور محمد سند المسلم الصخري:
لم يكن المسيحيون في الأردن يوماً غرباء عن هذا الوطن، ولم يكونوا في يوم من الأيام إلا إخوةً وأصدقاء وشركاء في الهمّ والوجع، تجمعنا بهم الأرض، وتربطنا بهم أواصر المحبة والوفاء، وتجمعنا وإياهم قيم النخوة والمروءة والعيش المشترك.
وعلى امتداد تاريخ الأردن، وقبل تأسيس الدولة الأردنية الحديثة، كان أبناء الطوائف المسيحية حاضرين في مسيرة البناء والعطاء، شركاء في تحمّل المسؤولية، وفي ميادين التعليم والطب والهندسة وسائر المهن التي أسهمت في نهضة المجتمع وتقدّمه. لم يبخلوا يوماً بعلمهم أو جهدهم، ولم تكن خدماتهم حكراً على أبناء طائفتهم، بل امتدت إلى كل الأردنيين، دون تمييز أو تفريق.
وما زلت أستذكر مدينة مادبا، تلك المدينة التي تختزن في ذاكرتها قصصاً كثيرة من المحبة والوفاء، وكيف كان فيها أطباء مسيحيون تركوا بصمات إنسانية لا تُنسى في حياة الناس. أذكر منهم الطبيب نيقولا، الذي كانت والدتي، رحمها الله، تراجعه في خمسينيات القرن الماضي كلما ألمّ بنا المرض، وأذكر الطبيب سميح والطبيب ميشيل، وغيرهم ممن ارتبطت أسماؤهم في ذاكرة الناس بالطب والرحمة وخدمة المحتاجين.
لقد كان فيهم أطباء للفقراء، وأصحاب رسالة إنسانية سامية، يرون في المريض إنساناً يستحق الرعاية والرحمة قبل أي اعتبار آخر. وهكذا عرفناهم، وهكذا بقيت سيرتهم في وجداننا؛ رجالاً أدّوا رسالتهم بشرف، وتركوا أثراً طيباً في حياة الناس وذاكرة الأجيال.
ومن هنا، فإن ما حدث في بلدة حمود الكركية من حادث أليم ومفجع، وما رافقه من اعتداء على أرواح بريئة، أمرٌ نستنكره ونستهجنه بأشد العبارات. إنه سلوك دخيل على مجتمعنا الأردني، غريب عن قيمنا وأخلاقنا وأعرافنا، ولا يمتّ بصلة إلى تاريخنا الذي بُني على التآخي والتكافل واحترام الإنسان وصون كرامته.
إن الأردن لم يكن يوماً إلا أسرة واحدة، تتعدد فيها الطوائف والمعتقدات، لكنها تتوحد في الانتماء والولاء، وتلتقي عند المحبة والكرامة والعيش المشترك. لم تكن أخوّتنا يوماً شعاراً نردده في المناسبات، بل كانت مواقف تُترجم على أرض الواقع، وعلاقات ضاربة الجذور، صنعتها الأيام والمواقف والشدائد.
ولفت انتباهي، بكل ألم وحسرة، أن من بين ضحايا هذا الحادث المؤلم نخبة من أبناء المجتمع، من أصحاب المهن العلمية والإنسانية، ومنهم الطبيب والمهندس وغيرهما من أصحاب العطاء. رجالٌ كان الأولى أن تُصان أرواحهم، وأن يبقوا بين أهلهم وأحبّتهم، يواصلون مسيرة العلم والعمل وخدمة الناس.
شُلّت يد الغدر التي امتدت إلى الأبرياء، وخاب كل فكرٍ يستبيح دم الإنسان، أو يجعل من الاختلاف ذريعةً للعداء والكراهية. فلا دين يبرر الاعتداء على الأبرياء، ولا عرف يقبل سفك الدماء، ولا مروءة تسوّغ انتهاك حرمة النفس الإنسانية.
إن واجبنا اليوم أن نقف صفاً واحداً في وجه كل ما يهدد وحدتنا الوطنية، وأن نرفض خطاب الكراهية والتحريض، وأن نؤكد أن أمن الأردنيين وكرامتهم وحقهم في الحياة الآمنة خط أحمر لا يجوز المساس به.
رحم الله شهداء هذا الحادث الأليم، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم ذويهم وأحبّاءهم الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل.
عزاؤنا واحد، ووجعنا واحد، ووطننا واحد.
وسيظل مسيحيو الأردن إخوةً أعزاء، وشركاء أوفياء في الوطن والمصير، وستبقى روابط الأخوة بين الأردنيين أقوى من كل فتنة، وأرسخ من كل محاولة للنيل من وحدتهم.
حفظ الله الأردن، وأدام عليه نعمة الأمن والأمان، وجعل المحبة والرحمة والمروءة عنواناً دائماً لأهله جميعاً.

























































