اخبار سوريا
موقع كل يوم -قناة حلب اليوم
نشر بتاريخ: ٣ أيلول ٢٠٢٦
في مشهد كان حتى وقت قريب مستبعداً على المستوى السياسي، اجتمع وفد من الهيئة العامة للمنافذ والجمارك برئاسة معاون رئيس الهيئة لشؤون الجمارك خالد البراد، أمس الأربعاء، مع نظرائهم العراقيين والأتراك في العاصمة التركية أنقرة، لإجراء مباحثات ثلاثية ركزت على تعزيز التعاون في مجالات النقل والتجارة والترانزيت والربط الحدودي، وتسهيل حركة البضائع والمسافرين عبر المنافذ الحدودية المشتركة.
يأتي هذا اللقاء في توقيت بالغ الدلالة حيث تحاول الدول الثلاث تجاوز العقبات السياسية التي عرقلت لعقود طويلة إطلاق العنان للإمكانات الاقتصادية الهائلة التي تتيحها الجغرافيا المشتركة.
ولم يتم التركيز خلال الاجتماع على الجمارك بالمعنى التقليدي الضيق، بل تعداه إلى رؤية شاملة لتطوير منظومة الترانزيت الإقليمي، اختصاراً للوقت والكلفة، وتحسيناً لكفاءة سلاسل النقل والإمداد.
وتشكل الممرات التجارية التي تربط العراق وسوريا وتركيا بدول المنطقة شرايين حياة بالنسبة للاقتصادات الثلاثة، وأي تعطيل لها يرفع التكاليف على المستهلكين والتجار على حد سواء، في وقت تعاني فيه المنطقة من أعباء اقتصادية جسيمة.
وأشار بيان الهيئة العامة للمنافذ والجمارك إلى 'الاستفادة من الموقع الجغرافي الاستراتيجي للدول الثلاث'، و'ربط المنافذ الحدودية والموانئ وشبكات النقل البرية والسككية'، ما يعني أن الطموح لا يتوقف عند تسهيل حركة الشاحنات على الطرقات القائمة، بل يمتد إلى مشاريع بنية تحتية كبرى قد تشمل إعادة تأهيل خطوط سكك حديدية تربط الخليج بالبحر المتوسط عبر الأراضي السورية والعراقية والتركية.
ويسهم مثل هذه المشاريع في إعادة رسم خرائط التجارة العالمية في المنطقة، ما يجعل من سوريا والعراق وتركيا حلقة وصل استراتيجية بين أسواق آسيا وأوروبا، وهو ما يمنح هذه الدول نفوذاً اقتصادياً يتجاوز حجم اقتصاداتها الفردية.
وتأتي هذه المباحثات بعد أسابيع قليلة من لقاء رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قتيبة بدوي مع وفد مجلس الأعمال السعودي السوري برئاسة محمد أبو نيان في السادس والعشرين من آب، حيث نوقشت سبل تطوير التعاون في قطاعات الموانئ والمناطق الحرة والخدمات اللوجستية.
ويشير هذا التسلسل الزمني إلى أن هناك حراكاً إقليمياً منسقاً يطال المحور السوري العراقي التركي من جهة، والمحور السوري السعودي من جهة أخرى، وكأن دمشق تحاول بناء شبكة من العلاقات الاقتصادية المتداخلة التي تعيد تأهيلها كلاعب إقليمي في مجال النقل واللوجستيات، بعيداً عن العزلة التي فرضتها سنوات الحرب.
وفيما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية هناك ثلاثة مسارات محتملة؛ السيناريو الأول هو أن تثمر هذه المباحثات عن اتفاقيات تنفيذية ملموسة، كتخفيض الرسوم الجمركية على البضائع العابرة، أو تنسيق ساعات العمل في المنافذ الحدودية، أو إنشاء نظام موحد لتبادل المعلومات الجمركية، وهذا سينعكس إيجاباً على حركة التجارة وقد يزيد حجم التبادل التجاري بين الدول الثلاث بنسب مئوية ملحوظة، أما السيناريو الثاني، فهو أن تظل هذه المباحثات حبيسة الطاولات، نتيجة تعثرات تنفيذية أو عراقيل بيروقراطية أو تقلبات سياسية تعيد إنتاج التوتر، خاصة أن المنطقة تشهد متغيرات أمنية سريعة قد تعطل أي تقدم لوجستي، أما السيناريو الثالث فهو الأكثر طموحاً، أن تتوسع دائرة التعاون لتشمل دولاً مجاورة أخرى، كإيران والأردن ولبنان، لتتحول هذه المباحثات الثنائية إلى نواة لمشروع إقليمي متكامل لإعادة إحياء طرق الحرير القديمة بصيغة عصرية، تكون سوريا والعراق وتركيا بمثابة العمود الفقري له.




































































