اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ١١ أيلول ٢٠٢٦
كتب ناصر قنديل في البناء
قال رئيس الجمهورية جوزاف عون أمام وفد حركة لبنان الشباب، «ولاؤنا يجب أن يكون لبلدنا، وخاسر من يستقوي بالخارج ضد الآخر في الداخل، لأن الخارج سيتخلى عنه عاجلاً أم آجلاً، وما من حرب حصلت في لبنان وكان فيها رابح، بل الكل خسروا وخسر الوطن». كلام صحيح يصلح قاعدة لقراءة تاريخ لبنان، لكنه يستدعي تطبيقاً متساوياً على الجميع، وخصوصاً على اتفاق الإطار الموقع في 26 حزيران، الذي حوّل الاحتلال الإسرائيلي والضغط الأميركي إلى أداتين لفرض إرادة فريق لبناني على شريك في الوطن.
الاستقواء بالخارج ليس مجرد إقامة علاقة مع دولة أجنبية أو تلقي دعم منها. المعيار هو استخدام قوة الخارج ضد طرف لبناني لحسم خلاف داخلي. وبهذا المعنى، عرف لبنان نماذج صريحة. عام 1976 استقوت قوى مسيحية بسورية ضد الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية، ثم حصل التدخل السوري على غطاء عربي. وفي عام 1982 استقوت القوات اللبنانية بـ”إسرائيل” لتغيير ميزان القوى والوصول ببشير الجميل إلى رئاسة الجمهورية تحت مظلة الاجتياح وحصار بيروت. وبعد الطائف، استقوى تحالف نيابي وسياسي وميليشيوي بالقوة السورية لإسقاط العماد ميشال عون في 13 تشرين الأول 1990.
أما حزب الله، فعلى الرغم من علاقته المعروفة بإيران، فلا توجد واقعة استدعى فيها قوة إيرانية أو سورية لاحتلال لبنان أو قصف خصومه أو فرض رئيس وحكومة عليهم. يمكن تسجيل استخدامه سلاحه في الداخل خلال أحداث 7 أيار 2008، وهذه مسؤولية تناقش بذاتها، لكنها استخدام لقوة لبنانية في نزاع داخلي، وليست استقواء بجيش أجنبي. والمعيار هنا ليس تبرئة الفعل أو إدانته، بل منع الخلط بين استخدام السلاح الداخلي واستدعاء دولة أجنبية لإخضاع اللبنانيين.
الأوضح أن حزب الله لم يحوّل انتصارات المقاومة إلى مكاسب دستورية أو طائفية. بعد تحرير الجنوب عام 2000، ثم بعد إفشال أهداف حرب تموز 2006، لم يطالب بتغيير توزيع الرئاسات أو تعديل المناصفة أو زيادة الحصة الشيعية أو نقل صلاحيات إلى رئيس مجلس النواب. وبقيت مقولة المثالثة اتهاماً بلا مشروع أو اقتراح دستوري. كما بقي الجيش والمصرف المركزي والقضاء والأجهزة الأساسية خارج سيطرة الحزب وأقرب للرعاية الأميركية المناوئة للحزب ولو تساكنت معه. وتجربة التحقيق في انفجار المرفأ دليل واضح، إذ عجز الحزب وحركة أمل، رغم كل الاعتراض والضغط، عن تغيير المحقق العدلي طارق البيطار.
في المقابل، عندما صنع التحول الإقليمي المصاحب للطائف قوة سعودية في لبنان، استثمر الرئيس رفيق الحريري هذه القوة في محاولة فرض أعراف تجعل مكانة رئيس الحكومة تتقدم عملياً على رئيس الجمهورية. فالطائف نقل السلطة التنفيذية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، لكن الممارسة الحريرية جعلت رئاسة الحكومة مركز القرار الاقتصادي والمالي والإعماري والعلاقات مع الدول والمؤسسات الدولية. أي إن قوة الخارج تُرجمت إلى أعراف داخل النظام، بينما لم تُترجم قوة المقاومة وانتصاراتها إلى تعديل في الصيغة الطائفية أو محاولة لتغييرها، وسقف ما سعى إليه حزب الله كان ما نتج عن اتفاق الدوحة من تثبيت لمفهوم الثلث المعطل الذي يستحيل للحزب وتحالفه مع حركة أمل ضمان تحقيقه دون تحالفات عابرة للطوائف، ما يبعد فرصة توظيفه لحسابات طائفية.
من هنا يصبح اتفاق الإطار المثال الراهن الأشد وضوحاً على الاستقواء بالخارج. كان يفترض أن يكون الاتفاق وسيلة لإنهاء الاحتلال وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي، فإذا به يجعل نزع سلاح المقاومة شرطاً للانسحاب، ويربط بنزع السلاح عودة السكان إلى قراهم، وبدء الإعمار، بالرغم من كون ذلك انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي. وبذلك تحول الاحتلال من مخالفة يجب إنهاؤها إلى ورقة تفاوض، ويصبح الانسحاب مكافأة تقدمها “إسرائيل” بالتقسيط كلما نفّذ لبنان ما يتصل بإضعاف فريق لبناني وشطبه من المعادلة داخل أرض لبنان.
الأخطر هو السعي إلى تحويل الجنوبيين أنفسهم إلى أداة ضغط على المقاومة. فبدلاً من تحميل “إسرائيل” مسؤولية تهجير السكان وتدمير القرى ومنع العودة، يجري ربط المنزل والتعويض والمدرسة والمستشفى وإعادة الإعمار بتقدم نزع السلاح. والغاية أن يقول الجنوبي الذي أثقلته الخسائر للمقاومة، سلّمي سلاحك كي نعود ونعيد بناء بيوتنا. إنها محاولة لاستخدام المعاناة الاجتماعية لتحقيق ما عجزت الحرب عن تحقيقه عسكرياً والمستفيد الأهم هو “إسرائيل” بوهم انتصار داخلي لبناني للسلطة على المقاومة بالاستقواء بهذا الاحتلال ومن خلفه الراعي الأميركي، الذي عبر عنه أفضل تعبير كلام السفير الأميركي ميشال عيسى بقوله انزعوا السلاح لنتحدث عن الانسحاب.
لكن لبنان يملك نموذجاً سيادياً كاملاً جرى تجاهله عمداً، هو اتفاقية الهدنة الموقعة في 23 آذار 1949، ولبنان يومها لم يكن أقوى من اليوم ولا “إسرائيل” كانت أضعف. فقد نصت على أن يتبع خط الهدنة الحدود الدولية، وعلى انسحاب القوات إلى جانبي الخط خلال مهلة محددة، وعلى إجراءات أمنية متوازنة تشمل القوات النظامية وشبه النظامية وغير النظامية لدى الطرفين. كما أنشأت لجنة مراقبة مشتركة متساوية برئاسة الأمم المتحدة. فهي لم تطلب نزع سلاح فئة لبنانية شرطاً للانسحاب، بل أقامت أمناً متبادلاً بعد العودة إلى الحدود الدولية واعترفت القوى غير النظامية وشبه النظامية التي مثلتها قوات الفدائيين شريكاً في الاتفاق.
ولم تكن الهدنة مجرد اتفاق قديم، فقد تمسّك بها اتفاق الطائف رداً على تجربة اتفاق 17 أيار الذي وُلد تحت الاحتلال الإسرائيلي. نص الطائف صراحة على التمسك باتفاقية الهدنة، وتنفيذ القرار 425، وتحرير الأراضي اللبنانية وبسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً. ولذلك لا يجوز اقتطاع بند حل الميليشيات من الطائف وتجاهل البنود المتعلقة بالتحرير والهدنة والسيادة.
الاتفاق السيادي يبدأ بانسحاب إسرائيلي كامل ووقف الاعتداءات وإطلاق الأسرى وعودة السكان وبدء الإعمار، ثم يذهب اللبنانيون إلى حوار حول استراتيجية الدفاع ومستقبل السلاح، إذا لم يكن أحد في السلطة مسكوناً بوهم الاستقواء بالخارج بما فيه الاحتلال لإضعاف شريك داخلي. أما إبقاء الاحتلال والقصف والتهجير أدوات لإجبار شريك لبناني على التسليم، فهو التعريف العملي للاستقواء بالخارج. والسؤال الذي يطرحه كلام الرئيس عون هو، مَن يتمسك بالسيادة والطائف، من يطالب باتفاقية الهدنة والحوار الداخلي، أم من يستعين بالأميركي والإسرائيلي لفرض اتفاق مهمته الوحيدة إضعاف شريك الوطن؟











































































