اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢٥ أذار ٢٠٢٦
في ظل توقف شبه كامل لعجلة الإنتاج وتداعيات الحرب المستمرة، يعيش عمال قطاع غزة واقعًا معيشيًا بالغ القسوة، مع تراجع فرص العمل وتآكل مصادر الدخل، ما وضع آلاف الأسر أمام تحديات يومية تهدد قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية.
ويواجه عمال غزة ما يمكن وصفه بـ'نكبة معيشية' غير مسبوقة، نتيجة استمرار حرب الإبادة المدمرة، وتدمير المنشآت الإنتاجية، وتوقف الأنشطة الاقتصادية والخدماتية بشكل شبه كامل. وقد تحولت الأيدي العاملة إلى طاقات معطلة، تعيش تحت خط الفقر المدقع، في وقت باتت فيه حياة آلاف الأسر على المحك.
وبينما اضطر بعض العمال إلى تغيير مهنهم قسرًا لتأمين الحد الأدنى من قوت يومهم، بقيت الغالبية العظمى عالقة في دائرة الانتظار، تعتمد على مساعدات لا تكفي لسد أبسط الاحتياجات.
وفي خضم هذا الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، تتعالى أصوات النقابات والجهات الميدانية مطالبة بالتحرك نحو حلول عاجلة وواقعية، تتمثل في الانتقال من 'الإغاثة العينية' المحدودة إلى برامج 'التشغيل المؤقت' والدعم النقدي المباشر، كوسيلة للحفاظ على كرامة العامل وإنقاذ ما تبقى من النسيج الاقتصادي والاجتماعي المتهالك.
لم تكن مهنة 'القصارة' بالنسبة لسعيد عاشور (48 عامًا) مجرد مصدر رزق، بل كانت هويته وطريقه لإعالة أسرته المكونة من 12 فردًا. اليوم، يقف عاشور متأملًا أدواته التي غزاها الصدأ، ويقول لـ 'فلسطين أون لاين' بمرارة: 'منذ اندلاع الحرب وأنا بلا عمل، وحتى الخشب الذي كنت أستخدمه في مهنتي لم يعد للقصارة، بل صار وقودًا لإشعال النار، لأتمكن من خبز ما يسد رمق أطفالي، كبديل عن غاز الطهي المفقود.'
اقرأ أيضًا: الاقتصاد الغزِّي يترنَّح... وانكماش حادّ في القطاعات الخدميَّة والصِّناعيَّة
وتعكس تجربة عاشور مأساة آلاف العمال الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج سوق العمل، بعدما ارتفعت أسعار ما تبقى من الإسمنت والحصمة في 'السوق السوداء' إلى مستويات خيالية، ما جعل مجرد التفكير في أي ترميم أو إعادة بناء أمرًا مستحيلًا.
العامل سعدي وشاح يتوقع أن تتحول مهنته التي اعتاش منها لسنوات إلى ذكرى، بعد أن توقفت أعمال الألمنيوم بشكل كامل في قطاع غزة، نتيجة الحرب واستمرار القيود على إدخال المواد الخام.
ويقول وشاح لـ'فلسطين أون لاين' إن 'العمل متوقف تمامًا بسبب منع إدخال المواد الأساسية اللازمة للمهنة، إلى جانب انقطاع الكهرباء وغياب أبسط مقومات التشغيل'، مؤكدًا أن الورش لم تعد قادرة على الاستمرار في ظل هذه الظروف.
ويضيف أن ورشته أُغلقت منذ بداية الحرب، شأنها شأن عشرات الورش الأخرى التي وجدت نفسها عاجزة عن العمل في ظل شلل كامل يضرب القطاع الصناعي.
اقرأ أيضًا: حرب الإبادة تشلّ قطاع التكنولوجيا وتطيح بالاقتصاد الرقمي
ويشير إلى أن مهنة الألمنيوم، التي كانت توفر مصدر دخل ثابت لعشرات العائلات، أصبحت اليوم ضمن القطاعات المنكوبة، حيث لا مواد خام، ولا كهرباء، ولا طلب في ظل الدمار الواسع الذي طال المنازل والمنشآت.
ويؤكد وشاح أن العمال في هذا المجال يواجهون واقعًا قاسيًا، إذ فقدوا مصدر رزقهم بشكل كامل دون وجود بدائل حقيقية، ما اضطر الكثير منهم للاعتماد على المساعدات أو البحث عن أعمال مؤقتة لا تسد الحد الأدنى من احتياجات أسرهم.
بدوره، يقول الدكتور سلامة أبو زعيتر، عضو الأمانة العامة للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، إن ما يعيشه العمال لا يمكن اختزاله في أزمة اقتصادية عابرة، بل هو انهيار شبه كامل لمنظومة الأمان الاجتماعي، إلى جانب أزمة السيولة النقدية التي زادت معاناة الأسر.
عضو الأمانة العامة للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، د. سلامة أبو زعيتر
ونوّه إلى أن البطالة لم تعد مجرد ركود اقتصادي، بل نتاج تدمير ممنهج للبنية الإنتاجية والصناعية، ما أدى إلى خروج أكثر من 85% من القوى العاملة من سوق العمل، وإلى إضعاف البنية النفسية والاجتماعية للعمال.
ويضيف أبو زعيتر أن الاعتماد على المساعدات العينية لم يعد كافيًا، وأن الدعم النقدي المباشر أصبح ضرورة ملحة، ليس فقط لتغطية الغذاء، بل لتوفير الأدوية والملابس وتسديد الديون، إضافة إلى تحريك ما تبقى من الاقتصاد المحلي ودعم صمود صغار التجار.
ويؤكد ضرورة إطلاق برامج 'التشغيل المؤقت' بالشراكة مع المؤسسات المحلية والدولية، بما يتناسب مع الظروف الاستثنائية، ويتيح للعمال المشاركة في جهود الإغاثة والتعافي بدلًا من الانتظار دون عمل. ومن أمثلة هذه البرامج: إدارة مخيمات النزوح، توزيع المياه والخدمات اللوجستية، المشاركة في المبادرات البيئية الطارئة، ودعم الصناعات الحرفية الصغيرة مثل الخياطة وصيانة الأدوات.
اقرأ أيضًا: من الإنتاجية إلى الركود.. غزة تعيش أسوأ أزمة بطالة منذ عقود
ويشدد أبو زعيتر على أهمية تخصيص ميزانيات عاجلة لتقديم دفعات نقدية شهرية عبر 'صندوق طوارئ للعمال'، وبناء قاعدة بيانات وطنية موحدة لضمان وصول المساعدات بعدالة ومنع ازدواجية الاستفادة، خصوصًا للفئات الأكثر هشاشة.
ويؤكد أن مساعدة العامل المتعطل ليست عملًا خيريًا عابرًا، بل استثمار في صمود المجتمع واستقراره، محذرًا من أن استمرار عجز العمال عن تأمين أبسط متطلبات أسرهم يشكل تهديدًا للنسيج الاجتماعي بأكمله. ويختم بالتأكيد على ضرورة الانتقال من 'الإغاثة السلبية' إلى 'الإغاثة التمكينية' التي تضع كرامة العامل واحتياجات أسرته في صدارة الأولويات.

























































