اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
الرياض - طلحة الأنصاري
لم تتوقف مخاطر اعتداءات ميليشيا الحوثي عند حدود المنشآت العسكرية، إذ امتدت خلال السنوات الماضية إلى محيط مكة المكرمة ومنشآت مدنية تخدم المدينة المنورة، وصولا إلى مطار الملك خالد الدولي في الرياض، حيث أوقعت الهجمات الأخيرة قتلى ومئات المصابين بين مسافرين وعاملين من جنسيات عدة.
وفي هجوم السبت 10 أكتوبر، أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني في البداية مقتل 12 شخصا وإصابة 309 آخرين، قبل أن تعلن السفارة الهندية وفاة أحد مواطنيها متأثرا بإصابته، فيما شهد المطار الأحد هجوما جديدا أسفر عن مقتل مقيم باكستاني وإصابة 11 شخصا.
ويضع استهداف منشأة مدنية بهذا الحجم سلامة آلاف المسافرين والعاملين في دائرة الخطر، وبينهم قاصدو الحرمين الشريفين، في تصعيد يعيد إلى الواجهة سجل الهجمات التي هددت مكة المكرمة والمدينة المنورة خلال السنوات الماضية.
من مكة إلى المدينة.. سجل متكرر
يصعب فصل ما حدث في مطار الرياض عن اعتداءات سابقة نسبت إلى ميليشيا الحوثي وهددت أمن المدينتين المقدستين. ففي يوليو 2017، أعلنت قوات التحالف اعتراض صاروخ باليستي أطلقته الميليشيا باتجاه منطقة مكة المكرمة، وجرى اعتراضه فوق منطقة الواصلية بمحافظة الطائف، على بعد نحو 69 كيلومترا من مكة، من دون أضرار.
وفي سبتمبر الماضي، أعلن تحالف دعم الشرعية اعتراض وتدمير طائرة مسيرة أطلقتها ميليشيا الحوثي جنوب مكة المكرمة قبل دخولها المجال الجوي المحظور حول المدينة.
وامتد التهديد إلى المدينة المنورة، إذ أعلن التحالف مطلع أكتوبر أن هجوما بطائرة مسيرة استهدف محطة طيبة لتوزيع الكهرباء، التي تقدم خدماتها للمسجد النبوي الشريف، وأدى إلى خروج أحد المحولات من الخدمة، مؤكدا أن فحص الحطام والتحقيقات أظهرا مسؤولية ميليشيا الحوثي عن الهجوم.
هذه الوقائع ترسم مسارا متكررا تتعرض فيه منشآت ومناطق مرتبطة بخدمة المدنيين وقاصدي الحرمين للخطر، من إطلاق صاروخ باتجاه مكة إلى استهداف منشأة كهرباء تخدم المسجد النبوي، ثم الهجمات المتكررة على مطار دولي يشكل إحدى البوابات الرئيسة لدخول المسافرين إلى المملكة.
وتزداد خطورة الهجمات على مطار الملك خالد بسبب طبيعته المدنية وحجم حركة المسافرين داخله، فاستهداف صالات أو مرافق يستخدمها المدنيون بالصواريخ والطائرات المسيرة يرفع بصورة مباشرة احتمالات سقوط ضحايا، بصرف النظر عن التحذيرات التي تصدرها ميليشيا الحوثي لشركات الطيران أو المسافرين.
استهداف المدنيين تحت طائلة القانون الدولي
يحظر القانون الدولي الإنساني توجيه الهجمات ضد المدنيين، ويلزم أطراف النزاع بالتمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. وتعد هذه القواعد من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي المطبقة في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية.
كما ينص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن تعمد توجيه الهجمات ضد السكان المدنيين، أو ضد أعيان مدنية لا تشكل أهدافا عسكرية، يمكن أن يندرج ضمن جرائم الحرب متى توافرت العناصر القانونية اللازمة لإثبات الجريمة والقصد والمسؤولية الفردية.
وعليه، فإن سقوط قتلى وجرحى في هجمات على مرافق مدنية يفرض ضرورة التحقيق في طبيعة الأهداف التي استهدفت، والوسائل المستخدمة، والأوامر الصادرة، وهو ما يحدد المسؤولية القانونية للأشخاص الذين خططوا للهجمات أو أمرو بها أو نفذوها.
تصعيد يتزامن مع جبهات اليمن
ويأتي تصعيد الهجمات على المملكة بالتزامن مع اشتداد المواجهات داخل اليمن، ولا سيما في مناطق الساحل الغربي وباب المندب، حيث شنت القوات الحكومية اليمنية عمليات لاستعادة مناطق تسيطر عليها ميليشيا الحوثي، وسط تبادل للهجمات واتساع نطاق العمليات العسكرية.
ويشير تزامن التصعيدين إلى انتقال جزء من المواجهة من الجبهات اليمنية إلى استهداف منشآت داخل المملكة، وفي مقدمتها المطارات، بما يوسع دائرة المخاطر لتشمل حركة الطيران المدني والمسافرين.
خطاب ديني أمام اختبار الوقائع
وتثير الاعتداءات مفارقة بين الخطاب الذي ترفعه ميليشيا الحوثي والمواقع التي تطالها عملياتها فعليا. فالهجمات التي تعرض مكة المكرمة والمدينة المنورة للخطر، ثم استهداف مطار يستقبل مسلمين من مختلف أنحاء العالم، تضع ادعاءات حماية المسلمين والمقدسات أمام وقائع ميدانية تمس سلامتهم مباشرة.
ومع تكرار هذه الهجمات، تنتقل القضية من مجرد إدانة سياسية إلى ملف يتصل بحماية المدنيين وسلامة الطيران الدولي واحترام قواعد الحرب، ويستدعي توثيق الوقائع والتحقيق في المسؤولية عن كل هجوم على حدة.
وتبقى دماء المدنيين الذين سقطوا في صالات المطار خارج أي تبرير عسكري أو سياسي؛ فالقواعد الدولية تفرض حماية المدنيين والأعيان المدنية، وتوجب مساءلة من يثبت تعمده استهدافهم أو إصدار الأوامر بذلك.










































