اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢١ أيلول ٢٠٢٦
مشروع استخباري
وتكشف التفاصيل التي نشرها موقع 'واللا' العبري في الذكرى الثانية للعملية عن رواية المؤسسة الأمنية 'الإسرائيلية' للعملية، والتي تصوّرها باعتبارها اختراقًا استخباريًا واسعًا لحزب الله، فيما تبقى كثير من التفاصيل الواردة فيها مستندة إلى مصادر أمنية واستخبارية 'إسرائيلية' مجهلة، الأمر الذي يجعلها رواية صادرة عن الطرف المنفذ للهجوم ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حقيقة مستقلة.
وكانت التفجيرات قد بدأت في 17 سبتمبر/أيلول 2024، عندما انفجرت أجهزة اتصال يستخدمها عناصر في حزب الله بصورة متزامنة في مناطق لبنانية عدة، قبل أن تتكرر التفجيرات في اليوم التالي بواسطة أجهزة اتصال لاسلكية، ما أدى إلى سقوط قتلى وإصابة آلاف الأشخاص، بينهم مدنيون لبنانيون.
وأعلن حزب الله في حينه أن الأجهزة انفجرت بصورة متزامنة، وفتح تحقيقًا أمنيًا وتقنيًا لمعرفة كيفية اختراق منظومة الاتصالات، فيما حمّلت الحكومة اللبنانية 'إسرائيل' مسؤولية التفجيرات واعتبرتها اعتداءً على السيادة اللبنانية.
ويقول التقرير إن أجهزة الاحتلال عملت على تطوير طريقة لإخفاء مواد متفجرة داخل أجهزة صغيرة بحيث يصعب اكتشافها خلال عمليات الفحص العادية، قبل أن تتحول الفكرة إلى مشروع عملياتي واسع.
وتدعي الرواية 'الإسرائيلية' أن العمل على تطوير هذه الأجهزة احتاج إلى قدرات تقنية واستخبارية كبيرة، وأن مسؤولين في الموساد تعاملوا معها في البداية باعتبارها مهمة شديدة الصعوبة، قبل الوصول إلى نموذج قالت المؤسسة الإسرائيلية إنه قابل للتنفيذ.
وبحسب 'واللا'، أُنشئ داخل مقر الموساد خط خاص لتجميع الأجهزة وتجهيزها، ووُظفت طواقم للعمل عليها بعيدًا عن أعين العاملين في المشاريع الأخرى، في محاولة لضمان بقاء العملية سرية حتى لحظة التنفيذ.
لكن ما يقدمه التقرير 'الإسرائيلي' عن طريقة وصول الأجهزة إلى حزب الله يظل جزءًا من الرواية الإسرائيلية للعملية، في ظل عدم نشر أدلة مستقلة تسمح بالتحقق من جميع التفاصيل التي أوردها الموقع.
أكبر الاختراقات الأمنية
وبحسب تقارير صحفية عن آثار العملية، فقد أدت الانفجارات إلى إصابات بالغة شملت فقدان البصر وبتر الأطراف وإصابات في الوجه واليدين، واضطر عدد من المصابين إلى الخضوع لسلسلة طويلة من العمليات والعلاجات.
وتكشف هذه النتائج جانبًا آخر من العملية لا يظهر في السرد 'الإسرائيلي' الذي يركز بصورة أساسية على النجاح الاستخباري والتقني؛ وهو أن تفجير الأجهزة داخل بيئة مدنية مكتظة جعل آثار الهجوم تتجاوز الأشخاص الذين كانت 'إسرائيل' تقول إنها تستهدفهم.
وقد وصف مسؤول في حزب الله العملية في أعقاب التفجيرات بأنها واحدة من أكبر الاختراقات الأمنية التي تعرض لها الحزب، بينما أعلنت السلطات اللبنانية أن 'إسرائيل' تتحمل المسؤولية عنها.
وتقول الرواية إن أجهزة الاتصال التي انفجرت صُنعت أو جُهزت بطريقة سمحت بإخفاء المتفجرات داخلها، وإن عملية إدخالها إلى منظومة الحزب استغرقت وقتًا طويلًا.
وكانت تقارير أميركية وإسرائيلية قد تحدثت سابقًا عن أن الأجهزة جرى إعدادها بطريقة تجعل اكتشاف المواد المتفجرة الموجودة داخلها شديد الصعوبة، وأن عملية التفجير نُفذت بواسطة رسائل وصلت إلى الأجهزة المستهدفة.
وفي 2024، لم تعلن 'إسرائيل' فورًا مسؤوليتها رسميًا عن العملية، قبل أن يؤكد مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لاحقًا أن 'إسرائيل' كانت وراء تفجيرات أجهزة الاتصال.
وتقول مصادر استخبارية 'إسرائيلية' إن نصر الله تأثر بشدة بالعملية، وإن مشهد إصابة المقربين منه جعله يدرك حجم الاختراق الذي تمكنت أجهزة الاحتلال من تحقيقه.
غير أن هذه الرواية تعتمد أساسًا على مصادر أمنية 'إسرائيلية' وعلى تقييمات استخبارية لا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة، ولذلك لا يمكن تقديم الحديث عن 'انهيار' نصر الله أو دخوله في حالة نفسية معينة بوصفه حقيقة ثابتة.
موجة ثانية
وفي المقابل، نُقلت شهادات عن أفراد من عائلته تحدثوا إلى قناة المنار اللبنانية عن حالته بعد العملية. وقال نجله محمد جواد نصر الله إن والده دخل في حالة اكتئاب بعد اغتيال فؤاد شكر ثم بعد تفجيرات أجهزة الاتصال، بينما قالت ابنته زينب إن والدتها أخبرتها بأنه بكى بعد التفجيرات. وقد نقلت وسائل إعلام إسرائيلية هذه التصريحات عن مقابلات أجرتها العائلة مع المنار.
وهنا تبرز ضرورة الفصل بين ما قالته عائلة نصر الله عن حالته في تلك الفترة، وبين الاستنتاجات التي تبنيها أجهزة الاحتلال على تلك التصريحات لتقديم صورة عن 'انهيار' القيادة، خصوصًا أن تلك الاستنتاجات صادرة عن الجهة التي نفذت الهجوم وكانت تستعد في الوقت نفسه لتصعيد عسكري واسع ضد لبنان.
وبحسب روايات إسرائيلية لاحقة، اعتبرت أجهزة الاحتلال تفجير الاتصالات إحدى حلقات سلسلة عمليات استخبارية وعسكرية استهدفت بنية حزب الله وقيادته، لكن ربط كل هذه الأحداث بخطة واحدة متكاملة يظل في جانب منه استنتاجًا إسرائيليًا صادرًا عن أجهزة الاحتلال نفسها.
كما أن الرواية الإسرائيلية التي تقدم العملية باعتبارها ضربة حاسمة لحزب الله تتجاهل أن التنظيم واصل العمل والقتال بعد التفجيرات، وأن العملية لم تُنهِ وجوده أو قدرته التنظيمية، رغم الخسائر الكبيرة التي تعرض لها.
لكن ما تكشفه هذه الرواية بقدر ما يوضح جانبًا من طريقة إعداد العملية، فإنه يكشف أيضًا حدود المعلومات المتاحة بشأنها؛ إذ تعتمد أجزاء واسعة منها على مسؤولين وعناصر استخبارية إسرائيليين يتحدثون عن عملية نفذتها مؤسستهم، من دون أن تكون كل تفاصيلها قابلة للتحقق من مصادر مستقلة.
أما في لبنان، فقد بقيت العملية مرتبطة بضحاياها الذين حملوا آثار الانفجارات في أجسادهم، وبمشهد أمني غير مسبوق طال أجهزة اتصال في المنازل والشوارع والمحال، وحوّل أدوات يفترض أنها وسيلة للتواصل إلى عبوات قتل مخفية.
دموية وتعقيدًا
وبعد عامين، تعيد 'إسرائيل' نشر روايتها عن العملية بوصفها انتصارًا استخباريًا، لكن الجانب الآخر من القصة يبقى حاضرًا في لبنان: آلاف الجرحى، قتلى التفجيرات، المدنيون الذين أصيبوا، والأسئلة المتعلقة باستخدام أجهزة مدنية مفخخة داخل بيئة سكانية واسعة.
وهذا الجانب هو ما تحاول الرواية الإسرائيلية عن 'الإنجاز الاستخباري' أن تدفعه إلى الخلفية، بينما تستعيد بيروت ولبنان آثار واحدة من أكثر العمليات الأمنية دموية وتعقيدًا في تاريخ الحرب الأخيرة.

























































