اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
محمد الحمزة
قد يتوهّم المعتدي أن الصواريخ تستطيع أن تهزم المدن، أو أن الرعب قادرٌ على اختراق الأفئدة التي صُقلت على البأس وعُلّمت معنى الكرامة منذ أزل التاريخ، غير أن الرياض لا تُقرأ بلغة الفزع، بل بقاموس الثبات؛ وحين استُهدف مطار الملك خالد الدولي باعتداء غادر حاقد، يسعى لسفك دماء الآمنين وخلع الطمأنينة من القلوب، لم يزدنا ذاك العدوان إلا ثباتاً فوق ثبات. إن الرحيل الفاجع لأرواح طاهرة والإصابات التي أدمت القلوب، لم تكن سوى شهادة تاريخية على خسة المعتدي، وفي الوقت ذاته، إعلان صارخ عن جوهر هذا المجتمع الأبيّ الذي يزداد عند النازلة تلاحماً، وعند التحدي صلابةً كالحديد.
إن استهداف مرفق مدني يعج بالمسافرين والعائلات والعمال ليس دليلاً على اقتدار أو قوة، بل هو التجسد الحي لأعلى درجات العجز والإفلاس الاستراتيجي، حين يعجز الخصم في ميادين المواجهة الشريفة، وحين تتكسر أطماعه على صخرة اليقظة الأمنية والردع العسكري الحاسم، فإنه يلجأ مكرهاً إلى أساليب الجبناء؛ فيستهدف المدنيين العزل محاولاً بث الهلع في النفوس. لكن هذا السلوك الأعمى يرتد دائماً نحور أصحابه؛ فهو لا يزيد المجتمع السعودي إلا إيماناً بصلابة موقفه وعدالة قضيته، إن من يختبئ خلف الأكاذيب ليقصف طفلاً أو مسافراً، إنما يعلن جهاراً انكسار مشروعه وسقوط أخلاقه، ويمنحنا في المقابل وسام شرفٍ نعتز به؛ بأننا المستهدفون لأننا الأقوياء، وأننا الصامدون لأننا الحق الذي لا تزعزعه عواصف الغدر.
في وجه المحن، يتجلى النموذج السعودي الأروع في التلاحم والتكاتف، لم تهتز للرياض شعرة، ولم يتسلل الشك إلى قلب مواطن؛ بل انصهر الجميع –قيادة وشعباً– في بوتقة واحدة قوامها الولاء المطلق الثابت، والثقة العالية بقرارات الدولة ومؤسساتها. هذا الالتفاف التاريخي حول القيادة الرشيدة هو السور الحصين الذي يتكسر عنده كيد الكائدين.
إن القوة الاجتماعية الحقة في أوقات الأزمات لا تقاس بغياب الألم، بل بقدرة الجماعة على تحويل ذاك الألم إلى طاقة دافعة للبناء والصمود. وحين يدرك المواطن أن أمن وطنه هو امتداد مباشر لكرامته الشخصية، فإنه يتحول تلقائياً إلى حارس يقظ، ولبنة صلبة في بنيان مرصوص. إن واجبنا اليوم يتجاوز مجرد تجاوز الحدث، إلى ترسيخ هذه الذاكرة الجماعية الصلبة، وتعزيز ثقافة المسؤولية المشتركة، والوقوف صفاً واحداً خلف قيادتنا التي تحفظ العزة والسيادة.
على المستوى الإنساني، من الطبيعي أن تترك الاعتداءات المفاجئة آثاراً نفسية ومشاعر قلق وقتية؛ وهنا يتجلى الدور العلمي والوقائي للصحة النفسية المجتمعية، إن تجاوز الصدمات النفسية الناتجة عن العدوان لا يعتمد على كبت المشاعر، بل على إدارتها وفق استراتيجيات علمية واضحة؛ منها السماح للأفراد بالتعبير عن مخاوفهم ومشاعرهم دون وجل أو إحراج، مما يقلل احتمالية تحول الصدمة إلى اضطراب مزمن. والعودة التدريجية السريعة إلى تفاصيل الحياة اليومية، ليرسل الدماغ رسائل أمان تؤكد أن الحياة مستمرة وأن السيطرة لم تَضِعْ. ونشر التوعية بطبيعة الاستجابة للصدمات، وتفنيد الشائعات التي تزيد الخوف، والاعتماد الحصري على المصادر الرسمية. وتفعيل روابط التكافل بين الأقارب والجيران، فالشعور بالانتماء للجماعة هو أقوى خط دفاع نفسي ضد الانكسار.
إن النفس البشرية مفطورة على المقاومة والتكيف، وحين تتسلح بالإيمان واليقين، فإنها لا تكتفي بتضميد جراحها، بل تخرج من التجربة أكثر قوة وعنفواناً.. يقول عالم النفس فيكتور فرانكل، مؤسس العلاج بالمعنى: 'حين لا نعود قادرين على تغيير موقف ما، فإننا نتحدى بأن نغير أنفسنا.. وما دامت الحياة تستمر، فإن للألم معنى، وللصمود نبضاً لا يموت'.










































