اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦
حين تعلن شركة أو مؤسسة عن حاجتها لمهندسين، أطباء، أو إداريين، تضج منصات التوظيف وتمتلئ صناديق البريد بآلاف السير الذاتية في غضون ساعات. المشهد مألوف ومنطقي؛ فنظامنا التعليمي العالمي يعمل كخط إنتاج ضخم، يصب آلاف الخريجين سنوياً في قوالب وظيفية جاهزة ومحددة المعالم. ولكن، ماذا لو استيقظنا يوماً على إعلان في الصحف أو منصات الأعمال يقول بوضوح: 'مطلوب مخترع'؟
هذا التساؤل البسيط يفتح الباب على مفارقة عميقة تكشف خللاً في طريقة فهمنا للابتكار. لو نُشر هذا الإعلان، قد يتقدم الآلاف ممن يحملون أفكاراً عابرة أو خيالات لم ترَ النور، ظناً منهم أن الحماس وحده يكفي لملء هذا الشاغر. لكن في ميزان التقييم الحقيقي، ما هي الشهادة الأكاديمية التي يجب أن يحملها هذا المتقدم؟ الحقيقة الصادمة للأنظمة البيروقراطية هي أن الاختراع لا يُدرس في المدرجات الجامعية، ولا تحده شهادة أكاديمية رسمية. العقل القادر على هندسة حلول جذرية لمعضلات تقنية أو بيئية معقدة، غالباً ما يتجاوز أسوار الأكاديميا التقليدية. المخترع الحقيقي لا يقدم شهادة ورقية لإثبات كفاءته، بل يقدم نماذجه، ومخططاته، ورؤيته التي تتحدى المألوف لتكون هي اعتماده الأوثق.
تتضح صورة هذه الندرة الشديدة عند الاصطدام بالواقع العملي والتنظيمي. فحين أردنا يوماً تأسيس جمعية للمخترعين، كان الشرط القانوني البسيط يتطلب جمع سبعة أشخاص فقط لتسجيل الكيان. قد يبدو الرقم تافهاً في بيئة تعج بالكفاءات، لكن الواقع كان درساً قاسياً؛ فقد استغرق البحث عن سبعة مخترعين حقيقيين يمتلكون نتاجاً ملموساً ورؤية ابتكارية ستة أشهر كاملة من التنقيب المضني. لم نجدهم بسهولة، لأن المخترعين ببساطة لا يقفون في طوابير الانتظار، ولا يتجمعون في الساحات التي تعج بالموظفين النمطيين.
المخترعون كائنات فكرية تعمل خارج رادار التوظيف التقليدي. هم لا يبحثون عن مسمى وظيفي ليقتاتوا منه أو مكتب ليجلسوا خلفه من التاسعة إلى الخامسة، بل يبحثون عن معضلات تستفز عقولهم وتتطلب حلولاً غير مسبوقة. هم غالباً منغمسون في أبحاثهم العميقة، أو يعكفون على تطوير مفاهيمهم وتصاميمهم بصمت، بعيداً عن صخب سوق العمل الذي يقيس الإنسان بساعات الحضور والانصراف بدلاً من حجم الأثر والتغيير.
إن غياب إعلانات 'مطلوب مخترع' ليس دليلاً على عدم حاجة السوق إليهم، بل هو اعتراف ضمني بعجز الهياكل المؤسسية عن استيعاب هذه العقول الحرة. الشركات التي ترغب حقاً في تغيير قواعد اللعبة يجب أن تدرك أن صيد هذه العقول النادرة يتطلب التخلي عن قوالب الموارد البشرية الجامدة. المخترع لا يُوظف ليمارس روتيناً يومياً، بل يُستقطب كشريك استراتيجي، تُوفر له المساحة والحرية والموارد لتحويل الفكرة المستحيلة إلى واقع ملموس يغير شكل المستقبل.
E-mail: omar_co@yahoo.com

























































