اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ١ أب ٢٠٢٦
خاص الهديل…
بقلم: ناصر شرارة
يشبه الرئيس الأميركي دونالد ترامب رجلاً جائعاً، وقد وضع بين يديه لائحة طعام؛ وهو يستعجل اختيار الطبق المناسب لسد جوعه… وتحت ناظريه على لائحة الطعام يوجد طبق اليوم وهو مضيق هرمز؛ ولكن ترامب يملك وصفة طبية حاسمة يقول له طبيبه فيها: إن معدتك لن تهضم بأي شكل هذا الطبق!!. وعلى لائحة الطعام عينها يوجد أصناف من المقبلات الباردة، أهم صحن بينها 'اتفاق الإطار'؛ ورغم أن هذا الطبق قابل للهضم من قبل ترامب إلا أنه لا يسد الجوع الأميركي الكبير، ولا يعوضه عن استعصاء هضمه لمضيق هرمز… وفي أعلى لائحة الطعام هناك طبق 'مذكرة التفاهم' مع إيران وهو طبق شهي وذو منافع كبيرة لترامب، ولكنه مؤجل والطباخ المختص بإعداده هو في إجازة مفتوحة ومريحة ومدفوعة الأجر… بقي أمام ترامب – والحال هذا – طبق واحد موجود ليس فقط على لائحة طعام اليوم، بل على طاولة الغداء منذ أشهر، وهو لا يسبب عُسر الهضم ويوجد نصيحة لترامب كي يتناوله، وذلك من قبل أصدقائه العرب وحلفائه القدامى الأوروبيين، وأيضاً من قبل الماغا التي تقول مصالح أميركا في الشرق الأوسط أولاً؛ وتعتبر أن وقف إبادة غزة جزء من هذه المصالح..
.. إذن ترامب قرر أن يطلب من بين كل أطباق لائحة طعام اليوم؛ طبق حل قضية غزة؛ لكن ترامب يدرك أنه إذا كان طبق غزة هو الأكثر جذباً للرأي العام العالمي المصدوم من الجريمة الإسرائيلية في غزة؛ والأكثر جذباً للناخب الأميركي الشاب و'للتقدميين' داخل الحزب الديمقراطي وداخل بيئات مستقلة، وهؤلاء كلهم يريدون وقف مأساة غزة؛ إلا أن ترامب يدرك أيضاً من جهة ثانية أن غزة هي 'موضوع إسرائيلي داخلي' بحسب نظرة ائتلاف حكومة نتنياهو اليمينية إليها. وهذه الخصوصية سوف تطرح رغبة ترامب بتطبيق المرحلة الثانية من خطته في غزة ضمن حالة مركبة من التفاعلات الحساسة:
أولاً- سوف تظهر أن ترامب وعد العرب بحل أزمة غزة ووفى.. وهذا أمر تحتاجه صورته في المنطقة.
ثانياً- من خلال النجاح في غزة سيعوض ترامب عدم نجاحه في هرمز؛ وبذلك سيوازن بين الظلال والضوء على مستوى صورته في عيون العالم، وفي عيون العرب الذين وعدهم في قمة شرم الشيخ بأنه سينهي حالة تغول نتنياهو في غزة وسيسحب سلطة حماس منها لصالح حكم فلسطيني مستقل قد يمهد للهدف النهائي وهو حل الدولتين.
والواقع أنه إذا نجح ترامب في اتباع سياسة متوازنة في غزة، بمعنى أنها تضغط على نتنياهو بمثلما هي تضغط على حماس؛ فإن هذا السلوك سيترك انطباعاً إيجابياً في المنطقة يذكر بما فعله جورج بوش الأب عندما جعل لحربه ضد صدام حسين في الكويت أفقاً سياسياً وهو طرح خيار مدريد لحل القضية الفلسطينية. بمعنى أن جورج بوش الأب أعطى رسالة للمنطقة قالت حينها إن الحرب ليست للحرب وليس هدفها إثبات منطق القوة الأميركي، بل هي من أجل السلام الذي كما الحرب، يتم تحت القانون الدولي..
والواقع أن ما فعله جورج بوش الأب في التسعينات لم يفعله جورج بوش الابن عام ٢٠٠٣؛ فالأخير غزا العراق من دون قرار من مجلس الأمن وجعل احتلاله للعراق مناسبة لإظهار أن أميركا قادرة على أن تنتقم وان تمارس الحرب من أجل الحرب وهدفها الأساس هو خدمة أمن إسرائيل..
اليوم ترامب أمامه خياران اثنان: إما أن يكون جورج بوش الابن وبذلك يخوض حرباً من أجل الحرب وتخدم فقط الأمن الأعمى لإسرائيل، ولا تلتفت للقانون الدولي؛ أو أن يكون جورج بوش الأب ويقول إن حربه في المنطقة ضد إيران ليس فقط هدفها أمن إسرائيل بل أيضاً هي تسعى لأن يكون هناك بنهايتها أفق لسلام المنطقة التي تشكل القضية الفلسطينية نقطة المركز فيه.
هناك كثيرون يريدون أن يروا بترامب جورج بوش الابن الأرعن، ولكن هناك كثيرين في العالم يتأملون أن يكون ترامب راغباً بأن يكون جورج بوش الأب؛
فيعتبر أن خطة غزة هي بداية للسلام الفلسطيني الذي يشكل أفقاً سياسياً يجعل الحرب مدخلاً للسلام ولا تعود لعبة عبثية لن تتوقف إلا إذا ساد منطق يقول إن الحروب الكبيرة في المنطقة لن تتوقف إلا بإحلال سلام كبير في المنطقة يكون الفلسطيني في أساسه.











































































