اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
تُعاني مدينة طرابلس من أزمة نفايات خانقة خلّفت تداعيات بيئية 'كارثية' لا يُمكن تجاهلها. فإلى جانب تكدّس النّفايات في بعض الشوارع، وما يتسبّب به من انتشار أسراب الحشرات التي تغزو المنازل (خصوصًا الذباب الذي ينتشر بكثافة)، يلجأ البعض إلى حرقها تخلّصًا من تراكمها، ما جعل السكّان رهينة للروائح الكريهة والأدخنة السامّة.
وفي هذا السياق، يُشير المتابعون لهذا الملف 'المستعصي' إلى أنّ معمل الفرز، الذي استُخدم مكبًّا مؤقّتًا، شارف على الامتلاء بسبب حجم النّفايات وعشوائية رميها، وتلفت التقديرات إلى أنّ قدرته الاستيعابية لن تسمح باستيعاب النّفايات فيه لأكثر من ثلاثة أيّام إضافية. وبذلك، تحوّل هذا المرفق، وما قد ينتج عنه من عصارة ملوّثة، إلى 'قنبلة موقوتة'، وذلك في ظلّ غياب المعايير العلمية الكفيلة بحماية المواطنين من انعكاسات هذه الأزمة البيئية.
واشتكى المواطنون من الانتشار المفرط للنّفايات في مناطق عدّة، منها محرّم – باب الرّمل، وأبو سمراء. كما رصد أحد المواطنين أمس دخول سيّارة محمّلة بالنّفايات من منطقة مجدليا (قضاء زغرتا) إلى القبّة لتُفرغ حمولتها في طرابلس، ما يُشير إلى استمرار تدفّق النّفايات من أقضية خارج نطاق اتحاد بلديات الفيحاء (طرابلس، الميناء، البدّاوي والقلمون) بطرق يصفها البعض بأنّها 'ملتوية'.
ونظرًا إلى الأهمّية البالغة لهذا الملف في المدينة التي تنتشر فيها الرّوائح وتنتظر انتشار القوارض أيضًا، نشر رئيس اتحاد بلديات الفيحاء وائل زمرلي مقطع (فيديو) أكّد فيه أنّ قدرة معمل الفرز الاستيعابية بلغت حدّها الأقصى، ولم يعد بالإمكان التعويل عليه. كما أعلن عن اجتماع سيُعقد غدًا مع رئيس الحكومة نوّاف سلام، بمشاركة مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمّد إمام، نوّاب طرابلس والجهات المعنية، آملًا أنْ يُفضي هذا الاجتماع إلى قرار تنفيذي يُحدّد البديل، والجهة المسؤولة عن التنفيذ، وموعد بدء العمل.
وعلى الرّغم من الاجتماع الذي عُقد في دار الفتوى منذ يوميْن، لمناقشة هذه الأزمة، كان من المستغرب مطالبة الحكومة بإيجاد حلّ لهذه المعضلة، التي سبق أنْ حذّر منها المعنيّون، إذْ بات معلومًا، ومنذ أكثر من عام، أنّ المطمر المعتمد سيبلغ طاقته الاستيعابية القصوى بحلول نهاية شهر آب العام 2026، وفقًا لإعلان مجلس الإنماء والإعمار، ممّا يُؤكّد أنّ القضية ليست وليدة اللحظة.
ولكن بعد 'وقوع الفأس بالرأس'، يُواجه الاتحاد اليوم ارتباكًا واضحًا يُنذر بأنّ الحلّ قد لا يكون متاحًا عبر الحكومة ورئيسها سلام الذي أعلن منذ أيّام (في سياق احتواء المعارضة العكّارية الرّافضة لتحويل عكّار إلى مكبّ عبر مطمر سرار) تثبيت مبدأ تخصيص الموقع لنفايات عكّار حصرًا. ويأتي ذلك في وقتٍ تشتدّ فيه الحملات الرّافضة، لا في عكّار فحسب، بل في دير عمار أيضًا، رفضًا لاستقبال نفايات الاتحاد وتحويل المنطقة إلى مكبّ لنفايات الآخرين.
بناء على ذلك، وفي حال استبعاد خيار مطمر سرار تحديدًا، يتحدّث المعنيّون اليوم عن خيارات عدّة أو اقتراحات حلول، وذلك على الرّغم من 'توجّسهم' من مناقشتها بصراحة أمام الرّأي العام، أبرزها:
أوّلًا، يتمسّك البعض، ولو بطريقة غير مباشرة، بخيار المحارق (المرفوض بيئيًا وشعبيًا)، ويشترط تنفيذها (رغم كلفتها المرتفعة مقارنة ببدائل إدارة النفايات الأُخرى)، مع فرض رقابة كاملة عليها. في حين يُدرك الجميع صعوبة تحقيق هذه الرّقابة أو ضمان نجاح هذه الخطّة في لبنان.
ثانيًا، طرح إنشاء مكبّ بحري إضافي، وهو اقتراح مرفوض، إذْ سبق لموقع 'لبنان الكبير' أنْ أشار إلى رفضه من قبل المرفأ والمنطقة الاقتصادية الخاصّة، في ظلّ النّهضة التي تشهدها المنطقة.
ثالثًا: اقتراح اتحاد بلديات الفيحاء تأمين أراضٍ ضمن نطاق الاتحاد لاستخدامها مكبًا للنّفايات، وهي مسؤولية لم تتحمّلها بلديات الاتحاد فعليًا.
رابعًا، تطبيق قرار البلدية القاضي بإعادة فتح مطمر طرابلس (الذي أُقفل منذ أيّام) مؤقّتًا لمدة ثلاثة أشهر، وهو ما يرفضه الخبراء البيئيون، الذين أكّدوا أنّ المطمر أنشئ أساسًا بصورة مؤقّتة، وأن أيّ رمي جديد للنّفايات فيه من شأنه أنْ يضرب عرض الحائط بكلّ ما جرى اعتماده فيه من معايير بيئية.
وبالتالي، فإنّ الحلول المطروحة، التي يجد المعنيّون صعوبة في اعتمادها للخروج من عنق الزجاجة، في ظلّ الكمّيات الكبيرة من النّفايات وضيق الوقت ومحدودية التمويل، تفرض ضرورة الإسراع في إيجاد بديل عن تكديس النّفايات في الموقع الحاليّ، تفاديًا لما قد ينجم عن ذلك من كارثة بيئية، لا سيّما في حال احتراق النّفايات وعدم احتواء الغازات المنبعثة منها ومعالجة العصارة النّاتجة عنها، بما قد يُهدّد بتلوّث الموارد المائية والمياه الجوفية، فضلًا عن تفاقم المشكلات الصحيّة التي يُعانيها ابن طرابلس أساسًا. فكيف سيكون الحال إذا استمرّ الوضع على ما هو عليه؟











































































