اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
*الصدمات الخارجية ومسؤولية السياسات
لماذا استمرت المديونية الأردنية في التراكم رغم تعاقب الحكومات وبرامج الإصلاح؟ ولماذا لم يتحول تحسن بعض المؤشرات المالية إلى تراجع مستمر في الحاجة إلى الاقتراض؟ للإجابة، ينبغي النظر إلى الطريقة التي تتفاعل بها الصدمات الخارجية مع بنية الموازنة والاقتصاد وقرارات إدارة الموارد. فارتفاع كلفة الطاقة أو تراجع السياحة قد يبدأ خارج الحدود، لكن حجم أثره ومدة استمراره يتأثران بقدرة الاقتصاد على التكيف، وبالخيارات التي تتخذها الحكومة لتوزيع كلفته.
تبدأ آلية التراكم من فجوة تتجدد سنوياً بين الإيرادات والنفقات. فإذا استمر الإنفاق في تجاوز الموارد، احتاجت الحكومة إلى تمويل الفرق، ثم ترتبت فوائد على الاقتراض السابق أضيفت إلى نفقات السنوات التالية. وبهذا تصبح الموازنة مطالبة بتمويل الاحتياجات الحالية وخدمة التزامات تراكمت عبر عقود. وقد تنجح حكومة في تخفيض العجز، بينما يستمر رصيد الدين في الارتفاع لأن الفجوة المتبقية ما زالت تتطلب اقتراضاً إضافياً.
وتكشف بيانات الموازنة لعام 2025 ثقل الالتزامات المتراكمة. فوفق تقرير البنك المركزي الأردني «أحدث التطورات النقدية والاقتصادية في الأردن»، عدد شباط 2026، بلغ عجز الموازنة العامة بعد المنح نحو 2.256 مليار دينار، مقابل عجز أولي يستبعد الفوائد قدره 76.3 مليون دينار. وبلغت فوائد القروض المسجلة نحو 2.180 مليار دينار، ما يوضح أثر خدمة الدين السابق في استمرار العجز. أما باستبعاد المنح والفوائد معاً، فقد بلغ العجز نحو 760.2 مليون دينار، بما يكشف استمرار فجوة بين الإيرادات المحلية والإنفاق، حتى قبل احتساب كلفة الفوائد.
لهذه الأرقام دلالة تتجاوز حجم العجز. فهي توضح صعوبة معالجة الدين بإجراءات سنوية محدودة، لأن الرصيد الموروث يولد كلفة مستمرة، ولأن جانباً من التوازن يعتمد على المنح. والمنح مورد مهم يخفف الاقتراض، لكن تغير حجمها أو توقيتها يجعل بناء التزامات إنفاق دائمة عليها أكثر تعقيداً. لذلك يجب تقييم التحسن المالي من حيث استمراره، ومقدار اعتماده على نمو الإيرادات الذاتية وكفاءة الإنفاق.
وكان للصدمات الخارجية دور موثق في توسيع هذه الفجوات. ففي 2011، أدى تكرار انقطاع الغاز المصري إلى استخدام وقود أعلى كلفة لتوليد الكهرباء، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط. وارتفعت خسائر شركة الكهرباء الوطنية من 0.8% من الناتج المحلي عام 2010 إلى 4.9% عام 2011، ومُوّلت بقروض وسندات مضمونة حكومياً ومتأخرات للموردين. كما أضعفت الاضطرابات الإقليمية السياحة والاستثمار وتدفقات اقتصادية أخرى.
هذا مثال واضح على صدمة خارجية تحولت إلى التزام مالي محلي. وقد أتاح الاقتراض توزيع كلفتها عبر الزمن وحماية المستهلكين من تحملها فوراً. لكن تقييم السياسة يتطلب أيضاً فحص الاعتماد السابق على مصدر الطاقة، وسرعة تنويع البدائل، وكفاءة التشغيل، وتصميم التعرفة والدعم. فمصدر الصدمة يفسر بداية الخسارة، بينما تؤثر الاستجابة في مقدار ما يستمر منها وما ينتقل إلى الدين.
وتداخلت الصدمات مع قرارات اجتماعية ومالية. فقد وثّق صندوق النقد ارتفاع الدعم والإنفاق الاجتماعي والأجور في 2011، بالتزامن مع ضعف الإيرادات، ما رفع العجز الأولي قبل المنح إلى 9.6% من الناتج المحلي. كانت لهذه القرارات أهداف تتعلق بالحماية والاستقرار في ظروف إقليمية مضطربة، لكنها أنشأت كلفة مالية. ويقتضي تقييمها معرفة مدى استهداف المستفيدين، ومدة الإجراءات، وتوافر موارد مستمرة لتمويل ما أصبح منها دائماً.
ثم جاءت جائحة كورونا لتضغط على النشاط والإيرادات وتستدعي تدخلاً لحماية الصحة والوظائف. وتُظهر بيانات البنك المركزي ارتفاع إجمالي دين الحكومة من 30.08 مليار دينار في نهاية 2019 إلى 33.0 ملياراً في نهاية 2020. وتحتاج قراءة هذه الزيادة إلى مراعاة كلفة الاستجابة للأزمة، إلى جانب الالتزامات والعجز القائمين قبلها. فالسؤال في مثل هذه الحالات يشمل ضرورة الإنفاق الطارئ، وجودة توجيهه، ثم قدرة المالية العامة على تقليص الفجوة مع التعافي.
أما الاختلال الداخلي الأعمق، فيتصل بقدرة الاقتصاد على توليد نمو وإيرادات تتناسب مع الالتزامات. فعندما يتباطأ الاستثمار والإنتاج والتشغيل، تتوسع القاعدة الضريبية ببطء، بينما تستمر احتياجات التعليم والصحة والبنية التحتية والحماية الاجتماعية. وينشأ ضغط يدفع نحو الاقتراض أو زيادة الأعباء على الأنشطة القائمة. وقد يفاقم تصميم ضريبي ضعيف المشكلة إذا أثّر في الاستثمار والامتثال، بينما تستطيع قاعدة أوسع وإدارة أفضل للتحصيل تحسين الإيرادات مع توزيع أكثر عدالة للعبء.
وتهم جودة الإنفاق بقدر حجمه. فالمشروع الذي يتأخر، أو ترتفع كلفته، أو يعمل دون طاقته، قد يولد التزاماً بالسداد قبل أن يحقق المنفعة المتوقعة. كما أن تخفيض الإنفاق الرأسمالي سريعاً لضبط العجز قد يؤخر مشاريع ذات عائد مرتفع ويضعف النمو المستقبلي. ويحتاج الحكم في الحالة الأردنية إلى تقييم المشاريع بنداً بنداً، بما يشمل كلفتها الكلية والتنفيذ والصيانة والعائد. ولا تكفي زيادة المخصصات أو ارتفاع نسبة إنفاقها لإثبات الجدوى.
وتشكّل الكهرباء والمياه والمؤسسات العامة قناة أخرى للتراكم عندما تتكرر فجوة الإيرادات والكلفة. ففي المياه مثلاً، يجتمع تحدي الندرة وكلفة الضخ مع أسئلة الفاقد والتحصيل والكفاءة والاستثمار. وتتطلب المعالجة تمييز الكلفة الملازمة لتقديم الخدمة عن الخسائر الممكن الحد منها، مع دعم موجّه يحمي الأسر الأقل قدرة. وكلما تأخر إصلاح أسباب الفجوة، استمرت الحاجة إلى تحويلات أو ضمانات أو اقتراض.
فأين تقع مسؤولية الحكومات المتعاقبة؟ تقع في القرارات الواقعة ضمن سلطتها، وفي جودة تنفيذها، وفي سرعة معالجة المخاطر المعروفة. وقد توزعت مرحلة اضطراب الطاقة بين حكومات معروف البخيت وعون الخصاونة وفايز الطراونة، ثم جاءت حكومات عبدالله النسور وهاني الملقي وعمر الرزاز وبشر الخصاونة في مراحل اختلفت فيها الصدمات والالتزامات الموروثة. وتبيّن تواريخ تشكيل الحكومات أن السنة المالية قد تمتد عبر أكثر من حكومة، ما يجعل إسناد كامل الزيادة السنوية إلى رئيس واحد حكماً غير دقيق.
وتتحقق المساءلة بمقارنة ما ورثته كل حكومة بما أضافته أو أصلحته، وفحص الالتزامات الجديدة والإعفاءات والضمانات والعقود ونتائج المشاريع. فحكومة تتخذ قراراً طويل الأجل قد تظهر كلفته في عهد حكومة لاحقة، وأخرى قد تحقق وفراً مؤقتاً بتأجيل مدفوعات تستحق بعد رحيلها. ولهذا تحتاج مقارنة الأداء إلى بيانات تغطي القرارات وآثارها، إلى جانب تغير رصيد الدين خلال الولاية.
ولا تفسر إعادة تمويل الاستحقاقات وحدها زيادة الرصيد. فاستبدال قرض مستحق بآخر مساوٍ له يجدد الالتزام، وقد يغير كلفته وأجله. أما زيادة الرصيد فتحتاج إلى فحص العجز والالتزامات الإضافية وتغير قيمة الديون المقومة بعملات أجنبية وتسويات الأرصدة. ويساعد هذا التفكيك على تحديد ما يستطيع القرار المحلي تغييره، وما يتطلب إدارة للمخاطر والتوقيت.
استمرار التراكم، إذن، يعكس تفاعل صدمات متكررة مع عجز قائم ونمو محدود والتزامات يصعب تعديلها سريعاً، وتؤثر في شدته قرارات الإنفاق والإيرادات والاستثمار وإصلاح المؤسسات. ومعالجة هذه العوامل تحتاج إلى استمرارية تتجاوز عمر الحكومة، وإلى نشر نتائج قابلة للقياس عن كلفة القرارات والعائد منها.
وبعد تفكيك أسباب التراكم، يأتي السؤال عن قدرة الأردن على تغيير المسار. فهل يستطيع الاقتصاد أن ينمو بوتيرة تتجاوز نمو الدين، وما الشروط التي تجعل المديونية مستدامة وتتيح للدولة مساحة أوسع لتمويل التنمية؟ هذا ما يتناوله المقال الرابع.

























































