اخبار لبنان
موقع كل يوم -نافذة العرب
نشر بتاريخ: ٤ أيلول ٢٠٢٦
تشهد التجارة الإلكترونية في السعودية تحولاً جذرياً مع بروز وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يفتحون مسارات جديدة في تجربة الدفع والشراء الرقمي، حيث يصبح الدفع أقل ظهوراً وأكثر انسيابية للمستهلكين.
يرى ريمو جيوفاني أبونداندولو، المدير العام لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة «تشيك أوت دوت كوم»، أن السوق السعودية تتمتع بسرعة تبني استثنائية لتقنيات الدفع الحديثة، ما يجعلها مؤهلة لاستقبال نموذج التجارة الوكيلة (Agentic Commerce) التي تعتمد على وكلاء ذكاء اصطناعي للقيام بعمليات الشراء نيابة عن المستخدمين. لكنه أشار في لقاء مع صحيفة «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «ليب 2026» في الرياض، إلى تحديات كبيرة تواجه هذا النموذج، تتعلق بالمصادقة على المعاملات، وتحديد المسؤوليات عند وقوع أخطاء، وإدارة عمليات الاسترداد والاعتراض على المدفوعات.
وفقاً لبيانات «تشيك أوت دوت كوم»، 98% من المستهلكين السعوديين يفضلون تجارب دفع لا تظهر كثيراً أثناء رحلة الشراء أو تندمج بسلاسة أكبر معها، مما يعكس اعتماداً قوياً على استخدام الهاتف الجوال. ومع ذلك، تواجه التجربة تحديات أمنية حيث أشار 31% من المستخدمين إلى تعرضهم لمحاولات احتيال، و27% إلى رفض عمليات دفع صحيحة نتيجة أخطاء تقنية تُعرف في قطاع المدفوعات باسم «الرفض الخاطئ». ويؤكد أبونداندولو أن تحقيق توازن بين تقليل الاحتكاك خلال عملية الدفع وحماية المستخدمين من الاحتيال لا يزال يشكل تحدياً، رغم التحسن المستمر بدعم تكامل الشبكات المالية والبدائل الرقمية والمحافظ الإلكترونية.
التحول الأكبر المتوقع في تجربة التسوق الرقمي مرتبط بدور الذكاء الاصطناعي، حيث أظهرت إحصائيات الشركة استعداد أكثر من نصف المستهلكين السعوديين للسماح لوكلاء الذكاء الاصطناعي بالشراء نيابة عنهم. ويرى أبونداندولو أن هذه التجارة الوكيلة ستشكل قناة جديدة ضمن عدة قنوات حالية مثل المواقع الإلكترونية والتطبيقات والتجارة الاجتماعية، مع توسع دور الذكاء الاصطناعي في مقارنة الأسعار، قراءة مراجعات العملاء، وإجراء عمليات الشراء بشكل مباشر.
وأشار المدير العام إلى أن السوق السعودية سبق أن شهدت نمواً سريعاً في تبني تقنيات الدفع، مثل إدخال بطاقة «مدى» التي وصلت إلى حوالي 30% من المعاملات في مراحلها الأولى، وانتشار خدمات «Apple Pay». لكنه أضاف أن البنية القانونية والتشغيلية للتجارة الوكيلة لا تزال في طور النمو، مع ضرورة معالجة قضايا الأمن، وآليات الاسترداد، والاعتراضات، والكيفية التي يُمكن بها توجيه وكلاء الذكاء الاصطناعي. ويحتاج القطاع إلى تعاون مشترك بين شركات المدفوعات وشبكات البطاقات والجهات التقنية لوضع هذه القواعد.
وتزداد تعقيدات هذه التجارة عندما لا يكون المستخدم هو الطرف الذي ينفذ قرار الشراء بشكل مباشر، إذ تعتمد الأنظمة الرقمية التقليدية على أدوات تحقق واضحة مثل المصادقة البيومترية أو رموز الاستخدام مرة واحدة أو بروتوكولات متقدمة كالـ3D Secure. أما في حالة وكلاء الذكاء الاصطناعي، فالسؤال الأساسي هو كيف يمكن التأكد من هوية صاحب الحساب والموافقة الفعلية على العملية التي ينفذها الوكيل. وأوضح أبونداندولو أن هذه المسألة تعد من أكبر التحديات التي تواجه التجارة الوكيلة، لا سيما في تحديد المسؤولية حال حدوث أخطاء مثل شراء منتج غير مرغوب فيه أو حجز خاطئ.
من جانب آخر، يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً متزايد الأهمية في اكتشاف عمليات الاحتيال وتحسين معدلات قبول المدفوعات. وتعتمد «تشيك أوت دوت كوم» على أنظمة ذكاء اصطناعي تحلل احتمالات نجاح العمليات وترفع معدلات استرجاع المعاملات التي فشلت مبدئياً، ما يعادل تقريباً مليار دولار شهرياً من المعاملات التي تُنجز بعد تحسين مسارها وتقليل الرفض الخاطئ.
وتأتي هذه التطورات إلى جانب النمو الملحوظ في استخدام المحافظ الرقمية، حيث يعود الانتشار إلى سهولة الدفع عبر الهاتف المحمول، وميزات المصادقة الأمنية التي تقدمها هذه المحافظ، واستخدام ترميز البيانات الذي يحمي أرقام البطاقات من التسريب. وأكد أبونداندولو أن المعاملات التي تتم عبر بطاقات مرمّزة تحقق أداءً أفضل من بعض أنظمة الدفع التقليدية، مشيراً إلى وجود تفاوت واضح بين الأجيال في اعتمادها على المحافظ الرقمية، مع تفضيل متزايد لدى الأجيال الشابة التي لا تعتمد في تجربتها على إدخال أرقام البطاقات يدوياً.
ومع تقلص ظهور بيانات البطاقة داخل رحلة الدفع، تصبح الهوية الرقمية عنصراً حيوياً لضمان سلامة العمليات. ويوضح أبونداندولو أن الهوية الرقمية هي الوسيلة المحورية للتحقق من المستخدم كصاحب المحفظة أو الحساب، وهو أمر يزداد تعقيداً مع مشاركة وكلاء الذكاء الاصطناعي، إذ يجب إثبات حدود التفويض التي منحها المستخدم للوكيل، ما يجعل أنظمة الهوية الرقمية ضرورية لسد الفجوة بين سهولة التجربة ومتطلبات الأمان والثقة.
أما على صعيد التجار في السعودية، فإن الاستعداد للتجارة الوكيلة يتطلب أكثر من مجرد تحديث صفحات الدفع الإلكترونية، لأن وكلاء الذكاء الاصطناعي سيكونون قادرين على تقييم المنتجات والعروض وخيارات الشراء بشكل آلي، ما يتطلب تقديم المعلومات بشكل مهيكل وقابل للقراءة الآلية. ووصف أبونداندولو وكلاء الذكاء الاصطناعي بأنهم سيكونون «قناة إضافية» ضمن المشهد التجاري، على غرار تأثير التجارة الاجتماعية وخدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقاً»، معتبراً أن السوق السعودية أظهرت سرعة استثنائية في تبني هذه الاتجاهات.
وبالنظر إلى عام 2030، يضع أبونداندولو هدفاً يتمثل في جعل تجربة الدفع الإلكتروني أقرب ما تكون إلى مثيلتها في المتاجر التقليدية، مبرزاً أن هذا النجاح لن يقاس فقط بنسبة انتشار الدفع الرقمي، بل بمدى انسيابية وأمان العمليات، سواء نفذها المستهلك بنفسه أو عبر وكلاء ذكاء اصطناعي. ويضيف: «أتوقع بحلول 2030 أن تصبح تجربة الدفع عبر الإنترنت مماثلة تقريباً لتجربة الدفع داخل المتجر، مع تقليل الفجوات المتعلقة بالرفض والخطوات الإضافية».
هذا التحول يشير إلى مرحلة جديدة من التجارة الرقمية في السعودية، مع تحديات وفرص تتطلب تضافر جهود التقنية، والقانون، والأعمال لتهيئة بيئة موثوقة وآمنة للمستهلكين والتجار على حد سواء











































































