اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
عمون - من بثينة خريسات - لطالما كان ملف مخيم الأزرق السوري، وتحديداً ما يُتداول عن إجراءات الدخول والخروج والرقابة المشددة في بعض مناطقه، مثاراً للتساؤل. كانت تعجبني فكرة وضع كل من له من يمتلك فكر تطرفي وطائفي في قرية صغيره داخل المخيم وتشديد الحراسة عليهم وتسيير أمور خروجهم ودخولهم بكل دقه وحذر وقد يتفهم البعض هذه الإجراءات باعتبارها تدابير احترازية فرضتها طبيعة الظروف الأمنية والفكرية لبعض الموجودين هناك.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم وبكل وضوح: إذا كانت هناك مخاوف أمنية تستدعي تشديد الرقابة على أشخاص داخل المخيمات، فلماذا لا تكون هناك منظومة رقابة وتقييم جادة عندما يتعلق الأمر بأشخاص ثبت تورطهم في قضايا إرهابية، ثم أُفرج عنهم وعادوا إلى المجتمع الأردني البسيط؟
أنا لا أتحدث عن شخص أخطأ في حياته، ولا عن إنسان ارتكب مخالفة عادية عابرة ويريد أن يبدأ من جديد. نحن نتحدث عن قضايا تتعلق بالتطرف والعنف والإرهاب، وعن أفكار قد لا تنتهي بانتهاء مدة الحكم، وقد تبقى آثارها حاضرة في السلوك والقناعات والعلاقات الاجتماعية يعني' فكر متجذر'.
وهنا لا بد من التفريق بين أمرين: حق الإنسان في التوبة والتغيير والعودة لله، وحق المجتمع في الأمن والحماية منه ومن يشبهه.
نعم، من حق كل إنسان أن يحصل على فرصة لإصلاح حياته، ومن حق من تاب فعلاً أن يجد طريقاً للعودة إلى المجتمع يعمل ..يدرس ..يتزوج يعيش حياته الطبيعية. لكن هل تكفي كلمة «تاب» لإغلاق ملف المخاطر؟ وهل يكفي انتهاء العقوبة القانونية حتى نتعامل مع القضية وكأنها لم تكن؟
التوبة شأن إنساني وأخلاقي، أما تقدير الخطورة الأمنية فهو مسؤولية مؤسسات الدولة المختصة، ولا يجوز أن يُترك للتخمين أو لحسن الظن وحده وعبارة 'بتعدي خلص'.
المشكلة ليست في منح الفرصة، بل في منحها دون ضمانات كافية.
كيف يمكن أن نطلب من الناس أن يشعروا بالأمان إذا كانوا لا يعرفون ما الإجراءات المتخذة لتقييم خطورة من أُفرج عنهم؟ كيف نطمئن أسرة وأطفالاً ومجتمعاً كاملاً بينما لا توجد إجابات واضحة حول المتابعة والتأهيل والرقابة ومنع إعادة إنتاج الفكر المتطرف كيف أقنت الأطفال بالأمان وهو يسمع بأن مرتكب خطأ ما خرج قريباً من السجن يحمل نفس التهمة؟
إن حرية الفرد لا يمكن أن تتحول إلى مخاطرة مفتوحة يتحمل المجتمع نتائجها إذا فشلت عملية إعادة التأهيل لسنا خقل تجارب.
ومن هنا أطرح فكرة تستحق الدراسة والنقاش الجاد: لماذا لا تكون هناك مراكز متخصصة، ذات طابع أمني وتأهيلي، تُدار وفق القانون وتحت إشراف الدولة، للحالات التي تثبت الحالات الفردية أنها ما زالت تشكل خطراً مرتفعاً؟
مراكز بعيدة عن التجمعات السكنية، تخضع لرقابة أمنية متخصصة، وتوفر برامج حقيقية لمراجعة الفكر والسلوك وإعادة التأهيل، مع تقييمات دورية مستقلة، ولا يُسمح بالانتقال إلى مرحلة أخرى إلا بعد التحقق من تراجع عوامل الخطورة لا بل توقفها.
ليس المقصود إقامة سجون جماعية لكل من يحمل فكراً قمعياً مختلفاً، ولا معاقبة الناس على الشبهات أو الانتماءات، بل التعامل الجاد مع من تثبت خطورته وفق الأدلة والإجراءات القانونية.
فالدولة التي تستطيع حماية المجتمع داخل منشأة متخصصة، يجب أن تكون قادرة أيضاً على حماية المجتمع عندما تقرر إعادة شخص عالي الخطورة إلى الحياة العامة.
ولا يجوز أن يكون المجتمع هو ساحة التجربة، ولا أن تكون سلامة الناس ثمناً لقرارات غير مدروسة.
لسنا ضد الإصلاح المجتمعي والسياسي، ولسنا ضد إعطاء الفرص على حد سواء، لكننا ضد الضعف في التعامل مع التطرف، وضد اعتبار حسن النوايا وأخذ الخواطر بديلاً عن الإجراءات الأمنية والعملية.
هناك فرق كبير بين أن نؤمن بقدرة الإنسان على التغيير، وبين أن نغامر بأمن أبناء وطنا دون تقييم حقيقي لهذا التغيير.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:
من يحمي هؤلاء الناس إذا فشلت تجربة إعادة التأهيل؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا عاد شخص سبق له أن تورط في الإرهاب إلى ممارسة العنف مجدداً وبدون مسؤولية؟
إن كرامة الإنسان وحقوقه لا تتعارض مع أمن المجتمع، كما أن أمن المجتمع لا يبرر انتهاك حقوق الأفراد أو احتجازهم جماعياً دون أساس قانوني.
أمن الناس ليس تفصيلاً إدارياً من ضمن مهام مسؤول ما، والتعامل مع التطرف ليس ملفاً يُغلق ويوضع بالدرج بمجرد انتهاء مدة العقوبة .
نريد منكم ما يطلبه قائد الوطن جلالة الملك المفدى ' دولة تحمي الجميع، وتمنح فرصة حقيقية لمن يستحقها، لكنها لا تتهاون في مواجهة الخطر، ولا تضع حياة مواطنيها في ميزان الاحتمالات'.
فالأمن مسؤولية، والعدالة مسؤولية، وحماية المجتمع ليست وجهة نظر لكل مسؤول يستلم منصب جديد.
الرحمة لشهداء الوطن والخزي والعار لأعدائه .

























































