اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. ملحة عبدالله
فازت السعودية؟ نعم.. لكن الأصح أن نقول إن البرلمان العربي هو الذي فاز بالسعودية.. فاز بثقلها حين نحتاج ثقلاً، وبحكمتها حين نحتاج حكمة، وبهدوئها حين يرتفع الصراخ.. والتزكية التي حصل عليها سعد العتيبي ليست مجاملة دبلوماسية، بل هي إدراك عربي جماعي أن قيادة المرحلة القادمة تحتاج إلى عقل سعودي، عقل لا يزايد، ولا يصارخ، بل يخطط وينفذ ويقيس الأثر..
لم يكن فوز المملكة العربية السعودية برئاسة البرلمان العربي بالتزكية مجرد إجراء بروتوكولي في جلسة إجرائية عقدت في قاعة بجامعة الدول العربية بالقاهرة، بل كان تتويجاً لمسار، ورسالة إجماع عربي صريحة تقول: عندما يشتد الضباب في الإقليم، تتجه الأنظار إلى الرياض.
إن انتخاب الأستاذ سعد بن صليب العتيبي، عضو مجلس الشورى، رئيساً للبرلمان العربي بالتزكية وبلا منافس، ليخلف الإماراتي محمد اليماحي، ليس تفصيلاً انتخابياً.. التزكية في العمل العربي تعني ما هو أعمق من الفوز، تعني أن لا أحد يرى نفسه بديلاً، وأن الجميع ارتضى القيادة السعودية.
لماذا السعودية الآن؟
البرلمان العربي لم يعد منصة خطابية تصدر البيانات، ففي السنوات الأخيرة تحول إلى أداة دبلوماسية برلمانية تخوض معارك حقيقية، من الدفاع عن القضية الفلسطينية في البرلمان الأوروبي، إلى التصدي لمحاولات التدخل في الشؤون العربية، إلى ملفات الأمن القومي والطاقة والمياه.
هذه الملفات لا تحتاج رئيساً يجيد إدارة الجلسات فقط، بل رئيساً يأتي من دولة تملك وزناً يفرض احترام المواقف.. والمملكة اليوم هي الدولة الوحيدة في الإقليم التي تجمع بين الثقل السياسي والاقتصادي والديني، وبين القدرة على بناء التوافقات دون استعلاء، وهذه هي مدرسة السياسة السعودية في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-.
فوز العتيبي هو في جوهره تصويت ثقة على رؤية 2030 التي لم تعد مشروعاً سعودياً داخلياً، بل أصبحت نموذجاً عربياً لإعادة تعريف الدولة، من دولة ريعية إلى دولة منتجة، ومن خطاب رد الفعل إلى صناعة الفعل.. ثم لماذا اختيار العتيبي؟
لم يأت اختيار العتيبي كصداقة، بل كمؤسسة، فمن لا يعرف سعد العتيبي قد يظن أن المنصب تشريفي، فالرجل ليس وافداً جديداً على العمل العام، فهو عضو مجلس الشورى لدورتين، عضو المجلس الاستشاري لجامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل، عضو مجلس أمناء جائزة التميز في الخبر، وعضو مجلس محافظة الخبر سابقاً. أي أنه ابن المدرسة المؤسسية السعودية التي لا تؤمن بالقفز؛ بل بالتدرج، ولا بالشعارات؛ بل بالأرقام ومؤشرات الإنجاز.. وهذا بالضبط ما نحتاجه في البرلمان العربي.
في كلمته الأولى بعد الفوز، لم يتحدث العتيبي بلغة إنشائية، بل تحدث بلغة الإدارة الحديثة: 'رؤية متجددة، عمل مؤسسي أكثر فاعلية، خطط واضحة، مؤشرات تقيس الإنجاز والأثر'. هذه ليست لغة برلماني تقليدي، هذه لغة رجل جاء من بيئة إصلاح إداري حقيقي.. وعندما يقول إن 'العمل العربي المشترك لم يعد خياراً بل نهجاً راسخاً'، فهو يلخص فلسفة سعودية جديدة: لسنا نتضامن وقت الأزمة، نحن نبني منظومة تضامن دائمة تحمي مصالحنا قبل أن تقع الأزمة، ولذلك نتساءل: ماذا بعد الرئاسة؟
أمام العتيبي ثلاث معارك كبرى، ونجاحه سيقاس بها:
أولاً: معركة فلسطين.. أكد العتيبي أن فلسطين ستبقى أولوية قصوى، وأن الدفاع عن دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وفق الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية هو ثابت. التحدي هنا هو تحويل هذا الموقف المبدئي إلى تحرك برلماني دولي فعال يلاحق التشريعات التي تشرعن الاحتلال ويحاصر روايته في عواصم القرار.
ثانياً: معركة الفعالية.. البرلمان العربي عانى طويلاً من فجوة بين القرارات والتنفيذ.. العتيبي وعد بالانتقال من الطموح إلى الإنجاز.. ننتظر منه برلماناً يضع جدولاً زمنياً لقضايا التكامل الاقتصادي، والأمن الغذائي، وربط البرلمانات العربية بشبكة مصالح اقتصادية لا بمجرد بروتوكولات.
ثالثاً: معركة الصورة.. العالم لا يحترم المؤسسات الضعيفة، فحضور البرلمان العربي في المحافل الدولية لا يزال أقل من الطموح، ووجود السعودية على رأس الهرم يمنح البرلمان بطاقة دخول قوية إلى كل برلمان إقليمي ودولي.
فازت السعودية؟ نعم.. لكن الأصح أن نقول إن البرلمان العربي هو الذي فاز بالسعودية.. فاز بثقلها حين نحتاج ثقلاً، وبحكمتها حين نحتاج حكمة، وبهدوئها حين يرتفع الصراخ.
إن التزكية التي حصل عليها سعد العتيبي ليست مجاملة دبلوماسية، بل هي إدراك عربي جماعي أن قيادة المرحلة القادمة تحتاج إلى عقل سعودي، عقل لا يزايد، ولا يصارخ، بل يخطط وينفذ ويقيس الأثر.
مبروك للمملكة، ومبروك للبرلمان العربي، والرهان الآن على أن نسمع قريباً عن برلمان عربي لا يصدر بيانات الإدانة فقط، بل يصنع مبادرات الحل.










































