اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٢٣ حزيران ٢٠٢٦
خاص / شهاب
يبدو مشهد السائرين في الشوارع المدمرة والممتلئة بالركام في قطاع غزة كمشهد رياضة صباحية وخيار صحي لمواصلة الحياة، لكنه في الحقيقة مسار يقطعه آلاف الغزيين اضطراريًا للوصول إلى أعمالهم، أو المستشفيات، أو المؤسسات الحكومية والخدمية، في ظل غياب البدائل واستحالة الاعتماد على وسائل النقل.
فلم تعد أزمة المواصلات مجرد تفصيل يومي، بل تحولت إلى عامل مباشر يعيد تشكيل نمط الحياة والعمل والتنقل. ومع غياب شبه كامل لوسائل النقل، وارتفاع كلفتها عند توفرها، وتعمق أزمة السيولة، أصبحت الحركة والتنقل تحديًا يوميًا يواجه آلاف السكان.
وبحسب وزارة النقل والمواصلات، قُدِّرت خسائر قطاع المواصلات بقطاع غزة بأكثر من 3 مليارات دولار، شملت الطرق والمركبات والمرافق المرتبطة بالنقل، بينما قال تقرير مشترك صادر عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي إن خسائر قطاع النقل وحده وصلت إلى نحو 3.2 مليار دولار.
وحسب تقديرات محلية، كان قطاع غزة يضم قبل حرب الإبادة نحو 88 ألف مركبة مرخصة، فيما تشير تقديرات حالية إلى أن ما بين 25 ألفًا و32 ألف مركبة تعرضت للتدمير أو التضرر بدرجات متفاوتة.
غيابها هو القاعدة
جمال عوّاد، 28 عامًا، موظف في مؤسسة حقوقية بمدينة غزة، يقول: 'إنه يخرج من منزله في دير البلح في ساعات الفجر الباكر، متجهًا نحو شارع البحر بخطوات سريعة تكاد تشبه الركض، وهي الطريقة التي يقول إنها باتت السمة الغالبة لسير آلاف الغزيين يوميًا في ظل غياب شبه كامل لوسائل النقل.
ويشير إلى أنه لم يعد ينتظر أي وسيلة مواصلات، بعد أن أصبح غيابها هو القاعدة، ما يدفعه إلى الاعتماد الكامل على المشي للوصول إلى عمله في مدينة غزة أو الالتقاء بوسيلة مواصلات من أحد الأماكن المتراصة على طول الطريق.
ويضيف لـ'شهاب' أن المسافة التي كانت تفصل بين دير البلح ومدينة غزة لم تكن تستغرق أكثر من 15 دقيقة في الظروف الطبيعية، باتت اليوم تحتاج إلى ساعتين أو أكثر.
ويوضح أن طريقه اليومي لم يعد يُقاس بالمسافة فقط، بل بحسابات دقيقة مرتبطة بالوقت والجهد، إذ يختار أحيانًا استغلال أي جزء من الطريق سيرًا على الأقدام لتقليل وقت الانتظار، فيما يضطر في أحيان أخرى إلى إكمال الرحلة بالكامل مشيًا، في ظل غياب أي بديل متاح.
ويقول إنه يحرص على الخروج قبل شروق الشمس؛ لتفادي ارتفاع درجات الحرارة، وللوصول إلى عمله بهندام الموظف الذي يُفترض أن يبدو مرتبًا، رغم الإرهاق الذي تسببه الرحلة اليومية قبل بدء الدوام.
ويؤكد أن هذه المعاناة اليومية لا تتغير منذ بدء الإبادة: 'كل يوم نعيش نفس التفاصيل تقريبًا، لا جديد في الطريق ولا في أزمة المواصلات'، منوهًا إلى أن الاستسلام لهذا الواقع يعني خسارة فرصة العمل، 'ونحن في وضع لا يسمح بخسارة أي فرصة'.
ويضيف: 'السير لمسافات طويلة أصبح ديدن كل الغزيين منذ بدء الحرب. قد يبدو الأمر بسيطًا من الخارج، لكنه في الحقيقة جزء ثقيل من يومنا، واعتيادي بطريقة مرهقة، ومع ذلك نستمر لأن لا بديل لدينا'.
في حين تقول غادة أيوب، 32 عامًا، وتعمل محاسبة في إحدى الشركات بمدينة غزة، وتعيش داخل خيمة في وسط المدينة: 'لا أنتظر وسيلة مواصلات، لأن الاعتماد عليها أصبح مكلفًا وغير مضمون، وفي مرات كثيرة نضطر إلى ركوب وسائل نقل مهينة للكرامة'.
وتضيف أنها تسير نحو نصف ساعة يوميًا للوصول إلى عملها، في ظل غياب وسائل النقل، ما جعل المشي الخيار الأكثر ثباتًا رغم صعوبته. وتوضح أن قرارها بالمشي لا يرتبط فقط بتوفير المال، بل أيضًا بتجنب الوقت الذي يُهدر في انتظار وسيلة قد لا تأتي أصلًا، مشيرة إلى أن الانتظار نفسه أصبح جزءًا من معاناة يومية لا تقل قسوة عن المشي.
كيف نصل فقط
وتشير إلى أن طريقها اليومي يمر عبر مشهد متكرر من المارة الذين يعيشون الظروف ذاتها، من موظفين وعمال وطلاب، جميعهم يسيرون في الاتجاه نفسه نحو أعمالهم، موضحة أن الوصول إلى العمل لا يعني انتهاء التعب، بل بدايته، إذ تصل منهكة قبل بدء يومها الوظيفي.
وتؤكد غادة: 'إن تكلفة المواصلات حين تتوفر تتجاوز قدرتها على الدفع، لذلك أصبح السير هو الحل، حيث لا نفكر كيف نصل بسرعة، بل كيف نصل فقط'.
من جانبه، يقول جهاد اسليم، نائب رئيس جمعية أصحاب شركات النقل الخاص: 'إن قطاع النقل البري يقترب من مرحلة التوقف الكامل نتيجة الاستنزاف الحاد للمحروقات والزيوت، واستمرار منع إدخال قطع الغيار والبطاريات والإطارات اللازمة لتشغيل المركبات'.
ويوضح اسليم أن النقص المتراكم في المستلزمات التشغيلية أدى إلى تدهور الأوضاع الفنية للمركبات العاملة، فيما باتت العديد من وسائل النقل تواجه صعوبات متزايدة في الاستمرار بالعمل، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على حركة المواطنين وتنقلاتهم اليومية.
ويحذر من أن استمرار الأزمة سيقود إلى مزيد من التراجع في خدمات النقل داخل القطاع، في وقت يعتمد فيه السكان على وسائل محدودة ومكلفة، ما يدفع أعدادًا متزايدة منهم إلى قطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام للوصول إلى أعمالهم أو قضاء احتياجاتهم الأساسية.
ولا تقتصر أزمة التنقل في غزة على نقص وسائل المواصلات وارتفاع كلفتها، بل ترتبط بتغيرات أعمق فرضتها الحرب على قطاع النقل بأكمله. فقد كشفت دراسة تحليلية صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أن تدمير الطرق والمركبات وشبكات النقل، إلى جانب النقص الحاد في الوقود، تسبب في شلل واسع لوسائل النقل التقليدية وتراجع غير مسبوق في قدرتها التشغيلية.
ووفق الدراسة، لم يؤدِّ هذا الانهيار إلى توقف الحركة بشكل كامل، بل أفرز أنماطًا بديلة للتنقل اعتمدت على وسائل بسيطة وغير منظمة، من بينها الدراجات الهوائية والعربات اليدوية والمجرورة وعربات 'التوك توك'، في محاولة للتكيف مع واقع فرضته الحرب وتراجع خدمات النقل.
وتشير الدراسة إلى أن أزمة النقل تجاوزت كونها مشكلة خدمية، لتتحول إلى عبء اقتصادي ومعيشي إضافي على السكان، في ظل ارتفاع تكاليف الحركة وصعوبة الوصول إلى أماكن العمل والخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية، ما جعل التنقل اليومي تحديًا يواجه آلاف الغزيين بشكل مستمر.
وترى الدراسة أن ما يشهده القطاع يمثل نموذجًا قسريًا للتكيف مع ظروف الانهيار، في وقت بات فيه الحق في التنقل مرتبطًا بقدرة السكان على تحمل الأعباء المالية والبدنية التي تفرضها الأزمة.
ويرى المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الحرب أعادت تشكيل الحركة اليومية داخل القطاع بشكل كامل، بعد تضرر الطرق الرئيسية والفرعية، وتراجع أعداد المركبات العاملة، وارتفاع كلفة تشغيلها إلى مستويات غير مسبوقة.
بدائل أقل كلفة
ويقول أبو قمر لـ'شهاب' إن التنقل تحوّل إلى عبء اقتصادي يومي على المواطنين، في وقت ارتفعت فيه أسعار الوقود وقطع الغيار ومستلزمات التشغيل بشكل حاد، ما انعكس مباشرة على كلفة المواصلات وتراجع توفرها.
ويوضح أن هذا الواقع دفع كثيرًا من السكان إلى البحث عن بدائل أقل كلفة، وفي مقدمتها المشي لمسافات طويلة، سواء للوصول إلى أماكن العمل أو المرافق الصحية والمؤسسات الخدمية، بعدما أصبح استخدام وسائل النقل يشكل عبئًا إضافيًا على الأسر التي تواجه أصلًا ظروفًا معيشية واقتصادية صعبة.
ويحذر أبو قمر من أن استمرار تدهور قطاع النقل، إلى جانب الأضرار الواسعة التي لحقت بالطرق والبنية التحتية، سيؤدي إلى مزيد من الصعوبات أمام حركة المواطنين وتنقلهم اليومي داخل القطاع.

























































