اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
شكّلت الندوة الشهرية التي نظّمتها جامعة الروح القدس – الكسليك بعنوان «الإعلام ومواقع التواصل: بين الحرية وخطاب الكراهية»، مناسبة لفتح النقاش حول واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في لبنان، في ظل اتساع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وتحولها إلى مساحة للصراعات السياسية وتبادل الاتهامات والروايات المتناقضة. وشارك فيها وزير العدل عادل نصّار، ووزير الإعلام الدكتور بول مرقص، والنائب جورج عقيص، وأدارها الإعلامي داني حداد بأسلوبه الحواري المهني والمتوازن. وتُحسب للجامعة مبادرتها إلى تسليط الضوء على هذه القضية، انطلاقاً من دور الجامعات في مواكبة الشأن العام والدفاع عن الحريات والمسؤولية الإعلامية.
لكن، بعيداً من النقاشات التي شهدتها الندوة، تبرز مسألة أساسية في فهم أسباب انتشار خطاب الكراهية، تتجاوز سلوك مستخدمي مواقع التواصل والإعلاميين، لتصل إلى مسؤولية الدولة نفسها، وتحديداً غياب الشفافية في التعامل مع المعلومات، ولا سيما في القضايا الأمنية الحساسة.
فبعض معارك الكراهية يبدأ قبل أن يكتب المواطن تعليقاً أو يطلق اتهاماً، عندما تغيب المعلومة الرسمية أو تأتي ناقصة وملتبسة، فيجد الناس أنفسهم أمام سيل من الأسئلة والتأويلات. والدولة التي يفترض أن تكون المرجع الأول لتوضيح الحقائق، تتحول أحياناً، نتيجة صمتها أو تأخرها أو غموض مواقفها، إلى جزء من المشكلة.
ويقدّم انفجار مرفأ بيروت وقضية متفجرات ضهر البيدر مثالين على خطورة الفراغ المعلوماتي. ففي الحالتين، أثار تضارب الروايات والأسئلة المتعلقة بالوقائع والمسؤوليات موجة من التأويلات والاتهامات، ما أتاح لكل فريق سياسي تبنّي الرواية التي تنسجم مع مواقفه، من دون أن يعني تداول بعض الفرضيات ثبوتها. وهنا تكمن المشكلة: عندما تغيب المعلومات الرسمية الواضحة، تتحول الأسئلة المشروعة إلى مادة للصراع والتشكيك.
وعندما تقع حادثة أمنية ولا تتوافر معلومات واضحة، يتحول كل مواطن إلى محلل، وكل مجموعة سياسية إلى صاحبة رواية. ولا يعود البعض يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن رواية تنسجم مع قناعاته، منتقياً المعلومات التي تخدم موقفه ورافضاً ما يتعارض معه. وهكذا، يتحول الخبر الواحد إلى حقائق متعددة بحسب الانتماء السياسي، ويتراجع النقاش العقلاني لمصلحة الاتهامات والتخوين والتحريض.
هنا تظهر المفارقة الأساسية، عندما يُطلب من الإعلام عدم نشر خطاب الكراهية ومواجهة الشائعات والتضليل، تكون الدولة مطالبة، في المقابل، بتزويده بالحقيقة والمعلومات الموثوقة. فالإعلاميون هم أيضاً من هذا الشعب، يعيشون في المناخ نفسه ويتأثرون بالمعلومات المتداولة، ولا يملكون بالضرورة مصادر تكشف حقيقة كل ما يجري، خصوصاً في الملفات الأمنية التي تحيط بها السرية والتناقضات.
ولا يعني ذلك تبرير نشر الأخبار غير المؤكدة أو التحريض والتشهير، فالتدقيق والتحقق مسؤولية مهنية لا نقاش فيها. لكن هذه المسؤولية يجب أن تقابلها مسؤولية رسمية في توفير المعلومات المتاحة، وتوضيح الوقائع، وتصحيح الأخبار الخاطئة، بدلاً من ترك الصحافي والجمهور أسرى الروايات المتناقضة.
كما أن الشفافية لا تعني كشف الأسرار الأمنية أو تعريض سلامة الناس للخطر، بل التمييز بين ما يجب أن يبقى سرياً وما يحق للرأي العام معرفته، والإعلان بوضوح عما هو مؤكد وما لا يزال قيد التحقق.
إن الدولة لا تصنع كل خطاب كراهية بصورة مباشرة، لكنها تتحمل جزءاً من المسؤولية عن المناخ الذي يسمح بانتشاره عندما تغيب الشفافية وتتراجع الثقة بين المؤسسات والمواطنين. فمواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالدعوات الأخلاقية وحدها، ولا بمطالبة الإعلام بضبط خطابه، بل تبدأ أيضاً من دولة تدرك أن حق المواطن في المعرفة ليس امتيازاً، وأن الإعلام لا يستطيع مواجهة التضليل إذا حُرم من المعلومات اللازمة لكشفه.
فحين لا تقدم الدولة الحقيقة بوضوح، لا تترك المواطنين يبحثون عنها فحسب، بل تدفع بعضهم إلى تبنّي حقيقة تشبههم وتعجبهم. وعندما يصبح الانتماء السياسي معياراً للحقيقة، تتحول أزمة الشفافية إلى أزمة ثقة، ويصبح خطاب الكراهية أحد أثمانها.











































































