اخبار سوريا
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ١٢ أب ٢٠٢٦
نريد عدالة لا تستمدّ قيمتها من هويّة المنتصر، ولا تفقدها لأن المؤسّسة التي بدأت تطبيقها ناقصة، بل تكتسب مشروعيتها تدريجياً كلما اقتربت من أربعة شروط: حقيقة لا تتغيّر بتغيّر هويّة الجاني، وإجراءات لا تتغيّر بتغيّر هويّة المتّهم، ومؤسّسة تحاسب نفسها كما تحاسب خصومها، واعتراف لا يفرّق بين الضحايا بحسب الطرف الذي قتلهم.
في الحادي عشر من آب/ أغسطس 2026 صدر في دمشق حكم بالإعدام بحقّ بشّار الأسد وشقيقه ماهر الأسد وعاطف نجيب، في واحدة من أكثر القضايا رمزية منذ سقوط النظام السوري السابق في كانون الأوّل/ ديسمبر 2024.
حوكم بشّار وماهر غيابياً، فيما مثل عاطف نجيب أمام المحكمة، وأُدين الثلاثة، بدرجات وصيغ قانونية مختلفة، بجرائم تتّصل بالقتل والتعذيب والاعتقال والانتهاكات التي رافقت قمع الاحتجاجات منذ بداياتها.
منذ 2011 كانت محاكمة الأسد في صميم ما خرج السوريون من أجله، هتافاً ومطلباً تكرّر في كل ساحة؛ ما كان بعيداً هو الوصول إليه لا الرغبة في محاسبته، بعدما صرفت آلة القمع التي رأسها، ثم الحماية الدولية التي أحاطته، كل جهد لإبقاء مساءلته خارج المتناول. ولهذا لم يكن ظهور اسمه في منطوق حكم قضائي سوري خبراً يمكن المرور عليه بوصفه شأناً قضائياً عادياً؛ فالرجل الذي كان رأس المنظومة السياسية والأمنية التي حكمت البلاد، وغادرها إلى روسيا بعد انهيار نظامه، صار للمرّة الأولى موضوع إدانة صادرة من داخل سوريا نفسها، في بلد راكم على مدى أكثر من خمسة عشر عاماً مئات آلاف الضحايا والمعتقلين والمفقودين والمهجّرين.
لهذا حمل الحكم، بالنسبة إلى الضحايا، معنى يتجاوز إمكانية تنفيذه. فحتى لو بقي الأسد في موسكو، وحتى لو عجزت السلطات السورية عن الوصول إليه، فإن مجرّد انتقال الخطاب العامّ في الدولة، ولو رمزياً، من مرحلة لغة «الأحداث» و«الأزمة» و«مكافحة الإرهاب» التي استُخدمت طوال سنوات لتبرير العنف، إلى مرحلة الاعتراف بالجرائم والمسؤولية والضحيّة، تحوّل في السردية القانونية نفسها. العدالة لا تبدأ دائماً من السجن، أحياناً يكون أوّل أشكالها أن تعترف مؤسّسة عامّة بأن من قُتل لم يكن خسارة في حرب، وأن من عُذّب لم يكن خصماً سياسياً، وأن الجريمة التي أفنى الضحيّة سنواته محاولاً إثبات وقوعها صارت أخيراً حقيقة معترفاً بها في سجلّ رسمي.
من يمتلك شرعية المحاكمة؟
لكنّ هذه اللحظة التي كان يمكن أن تشكّل نقطة التقاء واسعة بين السوريين، انزلقت سريعاً إلى نزاع، لا لأن هناك خلافاً جدّياً حول حجم الانتهاكات التي ارتكبها نظام الأسد، بل لأن السؤال انتقل من مسؤولية المتّهم إلى شرعية من يحاكمه. فالسلطة التي تدير القضاء السوري اليوم لم تأتِ من انتقال سياسي توافقي مكتمل، إنما بعد إسقاط النظام بالقوّة، وهي نفسها تواجه اتّهامات خطيرة تتعلّق بانتهاكات ارتكبت خلال المرحلة الانتقالية. وقد وثّقت منظّمات دولية وحقوقية جرائم واسعة في مجازر الساحل بحقّ مدنيين علويين، كما وثّقت جرائم حرب ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية ارتكبتها قوّات حكومية أو مرتبطة بها خلال مجزرة السويداء بحقّ مدنيين دروز، إلى جانب جرائم ارتكبتها أطراف محلّية أخرى. وهكذا وجد السوريون أنفسهم أمام مفارقة أخلاقية وقانونية شديدة التعقيد: سلطة تطالب اليوم بحقّ محاكمة مرتكبي جرائم الأمس، بينما لا تزال مساءلتها عن جرائم اليوم موضع اختبار.
من هنا خرج النقاش من حدوده القانونية المباشرة. لم يعد السؤال ما إذا كان بشّار الأسد يستحقّ المحاكمة، بل: هل تملك هذه المؤسّسة حقّ محاكمته؟ وهل يمكن لسلطة متنازَع في شرعيتها، ومتّهمة هي الأخرى بانتهاكات جسيمة، أن تنتج حكماً ذا قيمة أخلاقية؟ وهل الاعتراف بالحكم يعني بالضرورة الاعتراف بالسلطة التي أصدرته؟ تبدو هذه الأسئلة سوريةً في ظاهرها، لكنّها في العمق تعيدنا إلى معضلة قديمة في فلسفة القانون والأخلاق: أين توجد العدالة تحديداً؟ أهي صفة لمن يمارسها، أم للفعل الذي يقوم به، أم للإجراءات التي أوصلت إلى النتيجة، أم للأثر الذي يتركه الحكم في الضحايا والمجتمع؟
قبل الإجابة، لا بدّ من تفكيك مفهوم يختلط بالعدالة في النقاش السوري، وهو «الشرعية». فنحن نستخدم الكلمة نفسها للإشارة إلى مستويات مختلفة. هناك أولاً المشروعية القانونية، أي أن يستند الحكم إلى نصّ، وأن تكون المحكمة ذات اختصاص، وأن تجري الإجراءات ضمن إطار قانوني قائم. وهناك الشرعية السياسية، أي السؤال عن مصدر حقّ السلطة في الحكم: أجاء من انتخابات أو عقد دستوري أو توافق مجتمعي، أم من السيطرة الفعلية على الدولة بعد انتصار عسكري؟ وهناك أخيراً الشرعية الأخلاقية، وهي أوسع من الاثنتين معاً: هل تمارس السلطة قوّتها وفق قواعد يمكن الدفاع عنها أخلاقياً، وتطبّقها على الحليف كما على الخصم، وتقبل أن تخضع هي نفسها للمعيار الذي تفرضه على الآخرين؟
هذه المستويات ليست متطابقة، وقد تتباعد إلى حدّ بعيد. فقد تكون حكومة قانونيةً وفق دستور قائم لكنّها بلا شرعية سياسية واسعة، وقد تحظى سلطة بتأييد شعبي في لحظة تاريخية ثم ترتكب أفعالاً لا يمكن الدفاع عنها أخلاقياً. وبالمثل، قد تُصدر مؤسّسة ناقصة الشرعية حكماً صحيحاً في قضيّة بعينها، مثلما تستطيع مؤسّسة كاملة الشرعية أن تُصدر حكماً ظالماً. لهذا لا يقود الاعتراف بالقيمة الأخلاقية لفعل محدّد، منطقياً، إلى منح الفاعل كله شرعية أخلاقية أو سياسية. إن أفرج نظام استبدادي عن معتقل بريء، لا يصير إطلاقه ظلماً بسبب استبداد النظام؛ وإن أعادت حكومة غير ديمقراطية مالاً مسروقاً إلى صاحبه، لا يبطل ردّ الحقّ لأن من ردّه غير ديمقراطي. أخلاق الفاعل لا تنتقل بصورة آليّة إلى كل فعل يصدر عنه.
تجد هذه الفكرة جزءاً من جذورها في الوضعية القانونية الحديثة، وخصوصاً في أعمال هربرت هارت، التي ميّزت بين وجود القاعدة القانونية وقيمتها الأخلاقية. فالسؤال «هل هذا قانون؟» لا يساوي السؤال «هل هذا القانون عادل؟». وكان هذا الفصل مهمّاً لأنه سمح للفكر القانوني بأن يعترف بإمكان وجود أنظمة قانونية ظالمة من دون إنكار واقعها القانوني، وأتاح في الوقت نفسه نقدها أخلاقياً من خارج بنيتها الداخلية. وفي الحالة السورية، يساعد هذا المنهج على تفكيك النقاش إلى مستويات مستقلّة: يمكننا أن نسأل هل المحكمة مختصّة وفق النظام القانوني السوري، وهل استندت إلى نصوص نافذة، ثم ننتقل إلى سؤال مختلف تماماً عن عدالة الإجراءات وحياد المؤسّسة وشرعية السلطة التي تعمل في ظلّها.
غير أن القضاء يختلف عن إعادة المال المسروق أو إطلاق المعتقل، لأن الحكم ليس فعلاً أخلاقياً منفرداً، بل ممارسة لحقّ العقاب باسم المجتمع. هنا يكتسب الاعتراض المؤسّساتي اسماً أدقّ ممّا يُتداول عادةً.
أهلية المساءلة
في فلسفة العقاب ثمّة مفهوم هو «الأهلية الأخلاقية للمساءلة»، أي أن للمعاقِب أن يستدعي المتّهم ليجيب عن فعله لا يكفي فيه أن يكون المتّهم مذنباً؛ يُشترط في المستدعي نفسه أن يكون في موقع يخوّله توجيه الاتّهام. والفكرة، كما بلورها أنتوني دَف، بسيطة في حدسها عصيّة في تطبيقها: من تورّط في المظلمة نفسها التي يحاكم غيره عليها يفقد جزءاً من حقّه الأخلاقي في أن يقف موقف القاضي، حتى لو كان حكمه صائباً في موضوعه. وهذا بالضبط هو المأزق السوري في أدقّ صوره: لا أن الإدانة كاذبة، بل إن المؤسّسة المتّهمة بانتهاكات موازية تفتقر، أخلاقياً لا إجرائياً فقط، إلى الأهلية الكاملة لتوجيهها. حين تسجن الدولة إنساناً أو تحكم عليه بالموت، فإنها تمارس أقصى سلطتها عليه، ولهذا لا يمكن فصل عدالة النتيجة عن عدالة الطريق الذي أوصل إليها.
هذا جوهر المقاربة الأخلاقية المبدئية المرتبطة، في أحد جذورها، بفلسفة إيمانويل كانط: قيمة الفعل لا تُختزل في نتيجته، والإنسان لا يجوز أن يتحوّل إلى مجرّد وسيلة لتحقيق غاية أخرى، مهما بدت نبيلة. وبذلك لا يصبح المتّهم دون حقوق لأن المجتمع مقتنع بذنبه، ولا تُحوَّل محاكمته إلى وسيلة لإنتاج شرعية سياسية أو إرضاء رغبة جماعية في الانتقام. وهنا يلزم توضيح لئلا يُساء فهم مسار الحجّة لاحقاً: التكأة على كانط في هذا المقال ليست تكأة على موقف من عقوبة الإعدام. فكانط نفسه دافع عن الإعدام دفاعاً صريحاً على أساس قصاصي، بوصفه المكافئ العادل للقتل. ما نستعيره منه ليس حكمه في شدّة العقوبة، بل مبدأه في أن المتّهم غاية لا وسيلة، أي أن حقّه في محاكمة عادلة لا يسقط لأن إدانته تخدم رواية سياسية. الاعتراض الذي سيأتي لاحقاً على حكم الإعدام سيقوم على أرض أخرى تماماً — أرض جدوى المحاكمة وشروط التعاون الدولي — لا على أرض كانطية مفترضة ضد الإعدام لا وجود لها.
تتّضح أهمّية هذا المبدأ حين يكون المتّهم شخصاً مثل بشّار الأسد. فمن السهل أن ندافع عن حقّ محاكمة عادلة لمن نظنّه بريئاً أو نتعاطف مع قضيّته؛ هذا الدفاع لا يكلّفنا شيئاً ولا يختبر التزامنا الحقيقي. الاختبار يبدأ حين نطالب بالحقوق نفسها لمتّهمٍ نعتقد أن الأدلّة على مسؤوليته عن جرائم هائلة — أي حين يكون المتّهم هو الأسد نفسه لا خصمه. فإن كانت قرينة البراءة وحقّ الدفاع وحياد القضاء لا تشتغل إلا مع من نتعاطف معه، فهي ليست حقوقاً بل امتيازات نمنحها لمن نرضى عنه. من هنا يُفهم الاعتراض على الإعدام لا بوصفه تعاطفاً مع الأسد، بل دفاع عن قاعدة يجب أن تبقى قائمة أيّاً كان من سيطبَّق عليه القانون.
لكنّ الأخلاق المبدئية لا تستنفد معنى العدالة. ثمّة مدرسة أخرى تسأل عن أثر الفعل لا عن نقاء قاعدته فحسب. المقاربة النتائجية، المرتبطة تاريخياً بالنفعية عند جيرمي بنثام وجون ستيوارت ميل، تزن الأفعال بما تنتجه في العالم. وإذا نقلنا سؤالها إلى محاكمة الأسد، صار: ماذا يفعل الحكم فعلاً؟ هل يمنح ضحايا التعذيب والقتل اعترافاً حُرموا منه سنوات؟ هل يُضعف الإنكار؟ هل يسجّل في الذاكرة الرسمية أن ما ارتُكب لم يكن ممارسة مشروعة للسلطة بل جريمة؟ وهل يخفّف، ولو جزئياً، شعور جماعات كاملة بأن آلامها لم تكن مرئية؟
هذا المدخل أقرب إلى ما أنتجته تجارب العدالة الانتقالية في العقود الأخيرة. فالعدالة الانتقالية لم تنشأ من افتراض أن المجتمعات الخارجة من الديكتاتوريات والحروب تستطيع ببساطة أن تُعيد تشغيل قضاء كامل مستقلّ ثم تحاكم كل الجناة. على العكس، تنطلق عادةً من واقع تكون فيه مؤسّسات الدولة نفسها متورّطة أو منهارة، والمتّهمون هاربين أو محميين، والأدلّة موزّعة، والضحايا بأعداد تفوق طاقة المحاكم التقليدية. لذلك وسّعت مفهوم العدالة ليشمل المحاسبة الجنائية، ومعها كشف الحقيقة وجبر الضرر والاعتراف وحفظ الذاكرة وإصلاح المؤسّسات وضمان عدم التكرار.
العدالة الرمزية
في هذا السياق يصير مفهوم «العدالة الرمزية» أكثر جدّية ممّا توحي به الكلمة للوهلة الأولى. فالحكم الذي يتعذّر تنفيذه اليوم لا يُعيد الضحايا ولا يحرّر المختفين، لكنّه قد يؤدّي وظيفة أخرى: تحويل الحقيقة الاجتماعية التي يعرفها الضحايا إلى حقيقة قانونية معترف بها. حين تقول مؤسّسة عامّة لعائلة قضى ابنها تحت التعذيب إن ما جرى له جريمة، فهي لا تقدّم تعويضاً كاملاً، لكنّها تنزع عن الجريمة أمضى أسلحة الأنظمة الاستبدادية: الإنكار. فالجريمة السياسية لا تنتهي بموت الضحيّة دائماً؛ قد تمتدّ سنوات في حرمان عائلته من الاعتراف بأن ما وقع كان ظلماً أصلاً.
ولهذا تقدّم تجربة غامبيا مثالاً مفيداً، لكن على نحو أدقّ ممّا يُستدعى به عادةً. حين سقط نظام يحيى جامع بعد اثنين وعشرين عاماً وفرّ إلى غينيا الاستوائية، لم تستطع الدولة الجديدة أن تضعه فوراً أمام القضاء. ومع ذلك لم تعتبر غيابه سبباً لتعليق العدالة، ولم تلجأ في المقابل إلى حكم غيابي سريع يشفي الغليل. اختارت طريقاً ثالثاً: أنشأت لجنة الحقيقة والمصالحة والتعويضات، ووثّقت أنماط الانتهاكات، واستمعت إلى الضحايا، وحدّدت مسؤوليات، وأوصت بملاحقات. النموذج الغامبي، إذا دُقّق فيه، لا يبرّر الحكم الصادر في دمشق بقدر ما ينبّه إلى أن ثمّة أساليب أقلّ استعراضيةً من الحكم الغيابي: فالعدالة يمكن أن تبدأ قبل الوصول إلى الجاني، لا بحكم يُتلى في غيابه، بل ببناء سجلٍّ موثّق يصمد. إنها لا تقدّم فعلاً رمزياً من أجل الضحايا فحسب، بل تبني وثيقةً تمنع الجاني من أن يأخذ الحقيقة معه إلى المنفى.
ومع ذلك، وجد كثيرون في جلسة نطق الحكم لحظة اعتراف بكل ما جرى: تسمية صريحة للجريمة، وتثبيتاً لموقع الفاعل يُحفظ للتاريخ. وهذا هو ما يجعل البعد الرمزي لحكم الأسد مهمّاً وملتبساً في آن. فبشّار الأسد اليوم في روسيا، ولا مؤشّرات جدّية إلى استعداد موسكو لتسليمه. وليس من الدقيق الجزم بأنها لن تفعل أبداً، فالعلاقات الدولية محكومة بمصالح متغيّرة، لكن من الواقعي القول إن تسليمه في الظروف الراهنة بعيد الاحتمال. وعليه فالبديل العملي ليس، كما يُصوَّر، بين محاكمة مثالية مكتملة وبين الحكم الحالي، بل قد يكون في المدى المنظور بين قدر من العدالة الاعترافية وبين غياب أيّ حكم من داخل النظام القانوني السوري.
مفارقات عقوبة الإعدام
اختيار عقوبة الإعدام يعقّد الصورة بدل أن يحسمها. من منظور جزء من الضحايا قد يبدو الإعدام أقصى تعبير ممكن عن حجم الجريمة، لكن من منظور التعاون القضائي الدولي قد ينقلب إلى عقبة. دول كثيرة ألغت العقوبة ولا تسلّم مطلوبين إلى دولة يواجهون فيها احتمال تنفيذها إلا بضمانات كافية. والآليّة الدولية المحايدة المستقلّة الخاصّة بسوريا تشترط في تعاونها احترام المحاكمة العادلة وعدم استخدام دعمها في قضايا قد تفضي إلى الإعدام. وهنا لا نقف أمام «مفارقة» نمرّ عليها، بل أمام خلاصة نتائجية غير مريحة ينبغي أن تُقال بوضوح: بمنطق النفعية نفسه، قد يكون الحكم الأعلى إشباعاً رمزياً هو الأسوأ حصيلةً حتى بالنسبة إلى الضحايا، لأنه يقايض شعوراً بالقصاص اليوم بخفض فعلي في احتمال محاكمة حضورية غداً. النتائجي المتّسق لا يملك أن يهرب من هذا الاستنتاج بحجّة أنه قاسٍ على المشاعر؛ فإن كان معيار الحكم هو الأثر، فالأثر هنا يميل، على الأرجح، ضدّ الإعدام الغيابي لا معه.
من هنا يبرز الفرق بين العدالة القصاصية والعدالة القابلة للتحقّق. هل المطلوب أن يحمل الأسد في موسكو حكماً بالإعدام لا يُنفَّذ، أم أن تُبنى بنية قضائية تجعل تسليمه ممكناً ومحاكمته حضورية وعقوبته لا تعطّل التعاون الدولي؟ لا إجابة بسيطة، لأن السؤال لا يتعلّق بما يستحقّه الجاني في تصوّر الضحيّة، بل بما يزيد فعلاً فرص المحاسبة. وهكذا يمكن أن نتفهّم رغبة الضحيّة في أقصى العقوبة من دون أن نحوّلها إلى قاعدة قانونية عامّة. التفهّم الإنساني للقصاص شيء، وتصميم النظام الجنائي على أساسه شيء آخر.
على الطرف المقابل تقف حجّة «عدالة المنتصر»، وهي لا تُختزل في الدفاع عن النظام السابق. تاريخياً لم تكن هذه المعضلة غريبة حتى عن أهمّ المحاكمات الدولية. محاكمات نورمبرغ، التي أسّست لمفهوم المسؤولية الجنائية الفردية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، تعرّضت منذ بدايتها لانتقاد جوهري: المنتصرون أنشأوا المحكمة وحاكموا قادة المهزومين، بينما لم تخضع أفعال الحلفاء للمعيار نفسه. كان هناك عنصر انتقائية لا يمكن تجاهله.
لكنّ قيمة نورمبرغ تكمن تحديداً في أنه يرفض أن يجبرنا على اختيار حقيقة واحدة. القول إن المحاكمات حملت جانباً من «عدالة المنتصر» لا يجعل المسؤولين النازيين أبرياء، مثلما أن حقيقة الجرائم النازية لا تُبطل كل اعتراض على تصميم المحكمة. الحقيقتان تصحّان معاً. وهذا بالضبط ما يحتاجه النقاش السوري: الاعتراف بأن نظام الأسد ارتكب جرائم واسعة تستحقّ المحاسبة، والسؤال في الوقت نفسه عن انتقائية المؤسّسة التي ستحدّد من يُحاسَب ومن يبقى خارج المحاسبة.
من هذه الزاوية تزداد المسألة السورية حساسية، لأن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تكون مشروعاً موجَّهاً إلى الماضي وحده. فإن كانت منظومة العدالة قادرة على ملاحقة مسؤولين عن جرائم 2011، وعاجزةً عن التحقيق المستقلّ في انتهاكات نُسبت إلى جهات مرتبطة بالسلطة الجديدة في 2025 و2026، فالمشكلة ليست ازدواجية سياسية عابرة، بل خلل في تعريف العدالة نفسه. المعيار الأخلاقي لا يصير عامّاً إلا حين يسري على من يمسك بالسلطة أيضاً.




































































