اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ١٢ أيلول ٢٠٢٦
تقرير / شهاب
في قرى مسافر يطا جنوب الخليل، لا يقتصر حضور المتضامنين الأجانب على رفع الشعارات أو تنظيم وقفات احتجاجية، بل يظهرون في أكثر الأوقات حساسية، حين يقترب المستوطنون من منازل الفلسطينيين أو تبدأ عمليات الاعتداء وإحراق الممتلكات، فيحمل بعضهم كاميراته ويوثق، فيما ينتشر آخرون ليلًا قرب المنازل والخيام تحسبًا لهجمات جديدة.
هذا الحضور، الذي يوفر للفلسطينيين شهودًا من خارج المنطقة على ما يتعرضون له، أصبح في المقابل سببًا مباشرًا لملاحقة عدد من الناشطين الأجانب، عبر التوقيف والاحتجاز والتحقيق والترحيل، وصولًا إلى منع بعضهم من العودة إلى الأراضي الفلسطينية لفترات قد تصل إلى عشر سنوات، بالتزامن مع حملات تحريض وتشويه تستهدفهم عبر منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات المستوطنين.
ومن مسافر يطا إلى مناطق الأغوار الشمالية وقرى رام الله، ينتشر متضامنون من دول أوروبية ودول أخرى، يعمل كثير منهم ضمن منظمات حقوقية وإنسانية وحركات سلام، بالتنسيق مع الحراك الشعبي الفلسطيني، ويشاركون في مرافقة الأهالي وتوثيق الاعتداءات التي يتعرضون لها، خصوصًا في المناطق التي تشهد نشاطًا متصاعدًا للمستوطنين.
ومع اتساع وجودهم خلال السنوات الأخيرة، تغيرت طبيعة المهام التي يؤدونها على الأرض؛ فبعد أن كانت مرافقة الأطفال إلى المدارس ومساندة المزارعين والرعاة من أبرز أنشطتهم، أصبح جزء من عملهم مرتبطًا بالحراسة الليلية والاستجابة لنداءات الأهالي عند وقوع اعتداءات، إلى جانب توثيق عمليات الهدم والإحراق والاعتداءات.
الناشط الإيطالي جورج، الذي وصل إلى مسافر يطا قبل نحو شهر، يقضي ساعات الليل أمام منزل أو خيمة أحد الفلسطينيين الذين يتعرضون لاعتداءات المستوطنين، موضحًا أن وجوده يهدف إلى منح أصحاب المكان قدرًا من الأمان خلال الليل.
ويشرح جورج أن قراره بالمجيء إلى الضفة لم يكن بحثًا عن مغامرة، وإنما جاء بعد قناعة بأن التحركات الخارجية، ومنها المقاطعة والاحتجاجات، لم تعد كافية وحدها، فاختار الانتقال إلى الميدان واستخدام الحماية النسبية التي يوفرها جواز سفره الأوروبي للوقوف إلى جانب الفلسطينيين.
ويلفت إلى أن المتضامنين باتوا يعملون في مناطق مثل طوبا والتوانة، حيث شاركوا في توثيق اعتداءات المستوطنين والتعامل مع حرائق أشعلت في ممتلكات فلسطينية، مضيفًا أن تصاعد الاعتداءات خلال العام الأخير دفعهم إلى البقاء في المنطقة لفترات أطول والاستجابة لأي نداء من السكان.
ويستطرد جورج بأن المتضامنين اضطروا بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى تغيير جانب كبير من نشاطهم، بعدما أصبح من الصعب الاستمرار في بعض المهام التي كانوا يؤدونها، مثل مرافقة الأطفال إلى المدارس، بينما تحول وجودهم تدريجيًا إلى حماية الأهالي وتوثيق ما يحدث في القرى.
ولا يقتصر التضييق على المتضامنين الموجودين بالفعل في الميدان، إذ تبدأ إجراءات الملاحقة في بعض الحالات منذ محاولة الدخول إلى الأراضي الفلسطينية، عبر إجراءات التأشيرات والتدقيق في البيانات والقيود المفروضة على حركة القادمين من الخارج.
الناشطة الإيطالية إليزابيث تبيّن أن المتضامنين أصبحوا يواجهون خطر التعرف إلى هوياتهم وتسجيل بياناتهم من قبل قوات الاحتلال أو مستوطنين، مشيرة إلى أن تصوير وثائقهم قد يؤدي لاحقًا إلى منعهم من العودة أو إلغاء تأشيراتهم، بما يؤثر على قدرتهم على مواصلة وجودهم إلى جانب الفلسطينيين.
وبحسب شهادات المتضامنين، فإن إجراءات المنع لا تتوقف عند الحدود، إذ يمكن أن يتعرض الناشط بعد وصوله إلى الضفة للتوقيف أو التحقيق أو الإبعاد، فيما يواجه آخرون حملات تحريض وتشويه على منصات التواصل الاجتماعي، في محاولة للضغط عليهم ودفعهم إلى مغادرة المناطق التي يعملون فيها.
المتضامنة الإيطالية لينا ترى أن المستوطنين لا يريدون وجود متضامنين أجانب في المناطق التي تشهد اعتداءات، لأن هؤلاء يستطيعون مشاهدة ما يحدث ونقله إلى الخارج، معتبرة أن وجودهم يحرم المعتدين من العمل بعيدًا عن أعين الشهود الدوليين.
وتربط لينا بين ما يتعرض له المتضامنون في الضفة والقيود التي يواجهها الصحفيون والنشطاء الدوليون الراغبون في نقل ما يجري في قطاع غزة، معتبرة أن منع الشهود من الوصول إلى الميدان يمثل جزءًا من معركة أوسع حول نقل الصورة الفلسطينية إلى العالم.
وفي مسافر يطا، يؤكد الناشط في المقاومة الشعبية سامي الهريني أن المتضامنين الدوليين يتعرضون منذ سنوات لأشكال مختلفة من التضييق، تشمل الاعتقال وإغلاق المناطق التي يوجدون فيها بحجة أنها مناطق عسكرية مغلقة، وإبعادهم لأسابيع أو أشهر، وصولًا إلى الترحيل ومنع العودة لفترات طويلة.
ويضيف الهريني أن هذه الإجراءات تستهدف، من وجهة نظره، عزل الفلسطيني عن أي حضور دولي يمكن أن يشاهد ما يتعرض له، موضحًا أن المتضامن الأجنبي لا يؤدي دورًا رمزيًا فقط، وإنما يتحول في كثير من الحالات إلى شاهد على الاعتداءات التي تقع في القرى والمناطق المهددة بالتهجير.
ويستضيف الهريني منذ نحو عشرين عامًا متضامنين دوليين في منزله بمسافر يطا، الذي تحول مع مرور الوقت إلى نقطة تجمع للناشطين القادمين من دول مختلفة، مؤكدًا أن وجودهم أصبح جزءًا من الحياة اليومية للسكان، ولا سيما خلال فترات التصعيد.
ويتابع أن المتضامنين يمنحون الفلسطينيين دعمًا معنويًا في مواجهة الاعتداءات، كما يساعد حضورهم في نقل ما يجري إلى المؤسسات والمنظمات ووسائل الإعلام خارج الأراضي الفلسطينية، وهو ما جعل وجودهم محل استهداف متزايد.
وتتحدث تقارير إسرائيلية عن إجراءات رسمية اتخذت لملاحقة ناشطين أجانب في الضفة الغربية، إذ كشف الموقع الإسرائيلي 'سيحا مكوميت' أن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير شكّل في أبريل/نيسان 2024 وحدة شرطية خاصة تضم قسم شرطة 'السامرة' والوحدة المختصة بالجرائم الخطيرة، لملاحقة ناشطين أجانب في مجال حقوق الإنسان واحتجازهم والتحقيق معهم.
كما ذكرت صحيفة 'تايمز أوف إسرائيل' أن هذه الوحدة أوقفت أمريكيين اثنين للاشتباه في 'تدخلهما' ضد جنود الاحتلال خلال مناورة عسكرية في الضفة الغربية، إلى جانب ناشطين إسرائيليين.
وتزامن ذلك مع تصاعد الإجراءات التي تستهدف الناشطين الدوليين المشاركين في تحركات التضامن مع الفلسطينيين، بما في ذلك أولئك الذين يحاولون الوصول إلى قطاع غزة عبر البحر.
وفي مايو/أيار 2026، أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو منع بن غفير من دخول الأراضي الفرنسية، بعد نشر الأخير مقطع فيديو يظهر ناشطين من 'أسطول الصمود العالمي' عقب احتجازهم في مدينة أسدود، إثر اعتراض القوات الإسرائيلية لقوارب الأسطول المتجهة إلى غزة.
وكان الأسطول يضم 428 ناشطًا من 44 دولة، وفق ما ورد في المادة الأصلية، في محاولة للوصول إلى القطاع، قبل اعتراض القوارب واحتجاز المشاركين وترحيل عدد منهم.
وفي الضفة الغربية، يقر المتضامنون بأن المخاطر التي يواجهونها لا تقارن بما يواجهه الفلسطينيون أنفسهم، لكنهم يلفتون إلى أن تصاعد الاعتداءات جعل وجودهم أكثر خطورة، خصوصًا في المناطق التي تشهد محاولات متكررة لدفع السكان إلى مغادرة أراضيهم.
وبينما يواصل المستوطنون اعتداءاتهم على الفلسطينيين، يجد المتضامنون أنفسهم أمام سلسلة من الإجراءات تبدأ من تقييد الدخول والحركة، ولا تنتهي عند التوقيف أو الترحيل والمنع من العودة، في وقت تحاول فيه مجموعات فلسطينية إبقاء حضورهم في الميدان باعتباره عنصرًا من عناصر الحماية والتوثيق.
وتؤكد لينا أنها ستواصل وجودها في الأراضي الفلسطينية طالما طلب المجتمع الفلسطيني ذلك، معتبرة أن بقاء المتضامنين إلى جانب الأهالي يحمل رسالة إلى العالم بشأن ما يتعرض له الفلسطينيون.
و لم يعد الصراع على الأرض في مسافر يطا والأغوار والقرى الفلسطينية يدور فقط حول المنازل والأراضي وعمليات التهجير، بل امتد إلى من يستطيع البقاء في المكان ومراقبة ما يجري ونقله إلى الخارج؛ فكلما اقترب المتضامنون من مواقع الاعتداء، وجدوا أنفسهم أمام مزيد من القيود والملاحقة، بينما يتمسك الفلسطينيون بوجودهم باعتبار هؤلاء شهودًا دوليين على ما يجري في الميدان، وليسوا مجرد متضامنين عابرين.

























































